8402129
 
 
الـــمـــــقـــــــــالات
   
(8) حقيقة الخلاف بين الصحابة في معركتي الجمل وصفين وقضية التحكيم
 

(8) حقيقة الخلاف بين الصحابة في معركتي الجمل وصفين وقضية التحكيم


تم الاتفاق بين الفريقين على التحكيم بعد انتهاء موقعة صفين؛ وهو أن يُحكِّم كل واحد منهما رجلاً من جهته، ثم يتفق الحكمان على ما فيه مصلحة المسلمين، فوكّل معاوية عمرو بن العاص، ووكل عليّ أبا موسى الأشعري، رضي الله عنهم جميعًا، وكُتبت بين الفريقين وثيقة في ذلك، وكان مقر اجتماع الحكمين في دومة الجندل في شهر رمضان سنة 37هـ، وقد رأى قسم من جيش علي -رضي الله عنه- أن عمله هذا ذنب يوجب الكفر، فعليه أن يتوب إلى الله تعالى، وخرجوا عليه فسُمّوا الخوارج، فأرسل عليّ -رضي الله عنه- إليهم ابن عباس، رضي الله عنهما، فناظرهم وجادلهم، ثم ناظرهم عليّ -رضي الله عنه- بنفسه فرجعت طائفة منهم وأبت طائفة أخرى، فجرت بينهم وبين عليّ -رضي الله عنه- حروب أضعفت من جيشه وأنهكت أصحابه، وما زالوا به حتى قتلوه غيلة، وسيأتي تفصيل ذلك في محله بإذن الله تعالى.
التحكيم

تُعدّ قضية التحكيم من أخطر الموضوعات في تاريخ الخلافة الراشدة، وقد تاه فيها كثير من الكُتّاب، وتخبّط فيها آخرون وسطّروها في كتبهم ومؤلفاتهم، وقد اعتمدوا على الروايات الضعيفة والموضوعة التي شوّهت الصحابة الكرام، وخصوصًا أبا موسى الأشعري الذي وصفوه بأنه كان أبله ضعيف الرأي مخدوعًا في القول، وبأنه كان على جانب كبير من الغفلة، ولذلك خدعه عمرو بن العاص في قضيّة التحكيم، ووصفوا عمرو بن العاص-رضي الله عنه- بأنه كان صاحب مكر وخداع، فكل هذه الصفات الذميمة حاول المغرضون والحاقدون على الإسلام إلصاقها بهذين الرجلين العظيمين اللذين اختارهما المسلمون ليفصلا في خلاف كبير أدّى إلى قتل كثير من المسلمين، وقد تعامل الكثير من المؤرخين والأدباء والباحثين مع الروايات التي وضعها خصوم الصحابة الكرام على أنها حقائق تاريخية، وقد تلقّاها الناس منهم بالقبول دون تمحيص لها وكأنها صحيحة لا مرية فيها؛ وقد يكون لصياغتها القصصية المثيرة، وما زُعم فيها من خداع ومكر أثر في اهتمام الناس بها وعناية المؤرخين بتدوينها. وليعلم أن كلامنا هذا ينصبّ على التفصيلات لا على أصل التحكيم؛ إذ إن أصله حق لا شك فيه.
وقد رأيت أن يكون المدخل في هذا المبحث التعريف بسيرة الصحابيين أبي موسى الأشعري وعمرو بن العاص رضي الله عنهما.

أولاً: سيرة أبي موسى الأشعري:
هو عبد الله بن قيس بن حضّار بن حرب، الإمام الكبير، صاحب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أبو موسى الأشعري التميمي الفقيه المُقرئ، وقد أسلم أبو موسى بمكة قديمًا، قال ابن سعد: قدم مكة فحالف سعيد بن العاص، وأسلم قديمًا وهاجر إلى أرض الحبشة, وتذكر بعض الروايات أنه رجع إلى قومه للدعوة إلى الله. وقد جمع ابن حجر بين الروايات في إسلامه فقال: وقد استشكل ذكر أبى موسى فيهم؛ لأن المذكور في الصحيح أن أبا موسى خرج من بلاده هو وجماعة قاصدًا النبي -صلى الله عليه وسلم- بخيبر.. ويمكن الجمع بأن يكون أبو موسى هاجر أولاً إلى مكة فأسلم، فبعثه النبي -صلى الله عليه وسلم- مع من بعث إلى الحبشة، فتوجه إلى بلاد قومه، وهم مقابل الحبشة من الجانب الشرقي، فلما تحقق استقرار النبي -صلى الله عليه وسلم- وأصحابه بالمدينة هاجر هو ومن أسلم من قومه إلى المدينة، فألقتهم السفينة لأجل هيجان الريح من الحبشة، فهذا محتمل وفيه جمع بين الأخبار فليعتمد.
1- أوسمه الشرف التي وضعها رسول الله -صلى الله عليه وسلم- على صدر أبي موسى:
أ- لكم الهجرة مرتين، هاجرتم إلى النجاشي، وهاجرتم إليّ: عن أبى موسى، قال: خرجنا من اليمن في بضع وخمسين من قومي ونحن ثلاثة إخوة: أنا، وأبو رُهْم، وأبو عامر، فأخرجتنا سفينتنا إلى النَّجاشي، وعند جعفر وأصحابه، فأقبلنا حين افتتحت خيبر، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «لكم الهجرة مرتين: هاجرتم إلى النجاشي وهاجرتم إليّ», وعن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «يقدم عليكم غدًا قوم هم أرق قلوبًا للإسلام منكم».
فقدم الأشعريون؛ فلما دنوا جعلوا يرتجزون:


غدًا نلقى الأحبة
محمدًا وحزبَه

 

فلما قدموا تصافحوا، فكانوا أول من أحدث المصافحة.
ب- هم قومك يا أبا موسى: عن عياض الأشعري قال: لما نزلت: (فَسَوْفَ يَأْتِي اللهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ) [المائدة:54]. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «هم قومك يا أبا موسى»، وأومأ إليه.
جـ- اللهم اغفر لعبد الله بن قيس ذنبه وأدخله يوم القيامة مدخلاً كريمًا: عن أبي موسى قال: لما فرغ رسول الله صلى الله عليه وسلم من حنين بعث أبا عامر الأشعري على جيش أوطاس، فلقي دريد بن الصمة فقتل دريد، وهزم الله أصحابه؛ فرمى رجل أبا عامر في ركبته بسهم فأثبته. فقلت: يا عم، من رماك؟ فأشار إليه. فقصدت له، فلحقته، فلما رآني، ولّى ذاهبًا، فجعلت أقول له: ألا تستحي؟ ألست عربيًا؟ ألا تثبت؟ قال: فكفَّ، فالتقيت أنا وهو فاختلفنا ضربتين، فقتلته، ثم رجعت إلى أبي عامر، فقلت: قد قتل الله صاحبك، قال: فانزع هذا السهم. فنزعه فنزا منه الماء. فقال: يا ابن أخي، انطلق إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فأقرئه مني السلام، وقل له يستغفر لي. واستخلفني أبو عامر على الناس، فمكث يسيرًا، ثم مات. فلما قدمنا، وأخبرت النبي صلى الله عليه وسلم ، فتوضأ، ثم رفع يديه، ثم قال: اللهم اغفر لعبيد بن أبي عامر. حتى رأيت بياض إبطيه، ثم قال: اللهم اجعله يوم القيامة فوق كثير من خلقك. فقلت: ولي يا رسول الله؟ فقال: اللهم اغفر لعبد الله بن قيس ذنبه وأدخله يوم القيامة مدخلاً كريمًا.
د- إن هذا قد ردَّ البشرى فاقبلا أنتما: عن أبى موسى، قال: كنت عند رسول الله صلى الله عليه وسلم بالجعرانة فأتى أعرابي فقال: ألا تنجز لي ما وعدتني؟ قال: أبشر. قال: قد أكثرت من البشرى. فأقبل رسول الله عليّ وعلى بلال. فقال: إنّ هذا قد ردَّ البشرى فاقبلا أنتما. فقالا: قبلنا يا رسول الله، فدعا بقدح، فغسل يديه ووجهه فيه، ومجّ فيه، ثم قال: اشربا منه، وأفرغا على رؤوسكما ونحوركما، ففعلا، فنادت أم سلمة من وراء الستر: أن فضّلا لأمكما، فأفضلا لها منه.
هـ- لقد أُعطي مزمارًا من مزامير آل داود: عن ابن بريدة عن أبيه قال: خرجت ليلة من المسجد، فإذا النبي -صلى الله عليه وسلم- عند باب المسجد قائم، وإذا رجل يصلي، فقال لي: يا بريدة، أتراه يُرائي؟ قلت: الله ورسوله أعلم. قال: بل هو مؤمن منيب، لقد أُعطي مزمارًا من مزامير آل داود. فأتيته فإذا هو أبو موسى الأشعري؛ فأخبرته.
و- يا عبد الله بن قيس، ألا أدلّك على كلمة من كنوز الجنة؟: عن أبي موسى الأشعري قال: كنا مع النبي -صلى الله عليه وسلم- في سفر، وكان القوم يصعدون ثنية أو عقبة، فإذا أصعد الرجل قال: لا إله إلاّ الله، والله أكبر – أحسبه قال: بأعلى صوته – ورسول الله -صلى الله عليه وسلم- على بغلته يعترضها في الجبل، فقال: أيها الناس، إنكم لا تنادون أصمَّ ولا غائبًا، ثم قال: يا عبد الله بن قيس – أو يا أبا موسى – ،ألا أدلك على كلمة من كنوز الجنة؟ قلت: بلى يا رسول الله. قال: قلْ: لا حول ولا قوة إلاّ بالله.
ز- يسَّرا ولا تعسَّرا وتطاوعا ولا تُنفّرا: استعمل رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أبا موسى على زبيد وعدن وأرسله مع معاذ إلى اليمن، فعن أبي موسى أن النبي -صلى الله عليه وسلم- لما بعثه ومعاذاً إلى اليمن، قال لهما: يَسَّرا ولا تُعسَّرا، وتطاوعا ولا تنفّرا، فقال له أبو موسى: إن لنا بأرضنا شرابًا، يُصنع مع العسل يقال له التبغ، ومن الشعير يقال له: المزر، قال: كل مسكر حرام، فقال لي معاذ: كيف تقرأ القرآن؟ قلت: أقرؤه في صلاتي، وعلى راحلتي، وقائمًا وقاعدًا، أتفوقه تفوقًا، يعنى شيئًا بعد شيء، قال: فقال معاذ: لكني أنام ثم أقوم، فأحتسب نومتي كما أحتسب قومتي، قال: وكأن معاذًا فُضِّل عليه.
2- مكانة أبي موسى عند عمر بن الخطاب رضي الله عنهما: كان أبو موسى من ضمن أعمدة الدولة في عهد عمر، وكان قائدًا للجيوش في فتح قم وقاثان, وموقعة تستر(), كما كان من مؤسسي المدرسة البصرية في عهد الفاروق، وكان يُعدّ من أعلم الصحابة، وقد قدم البصرة، وعلّم بها, وقد تأثر بعمر بن الخطاب، رضي الله عنهما، وكان بينهما مراسلات – سنأتي عليها عند حديثنا عن مؤسسة الولاة والقضاة – وكان أبو موسى-رضي الله عنه- قد اشتهر بالعلم والعبادة والورع والحياء، وعزة النفس وعفتها، والزهد في الدنيا والثبات على الإسلام، ويُعدّ أبو موسى-رضي الله عنه- من كبار علماء الصحابة وفقهائهم ومفتيهم، فقد ذكره الذهبي في تذكرة الحفاظ في الطبقة الأولى من الصحابة-رضي الله عنهم- كان عالمًا عاملاً صالحًا تاليًا لكتاب الله، إليه المنتهى في حسن الصوت بالقرآن، روى علمًا طيبًا مباركًا، أقرأ أهل البصرة وأفقههم، وقد كان رضي الله عنه كثير الملازمة للنبي -صلى الله عليه وسلم-، كما أنه تلقى من كبار الصحابة كعمر وعلي وأبيّ بن كعب وعبد الله بن مسعود، وتأثر أبو موسى على وجه الخصوص بعمر بن الخطاب كثيرًا، وكان عمر يتعهده بالوصايا والكتب في أثناء ولايته الطويلة على البصرة، كما أن أبا موسى كان يرجع إلى عمر في كل ما يعرض له من القضايا، حتى عده الشعبي واحدًا من أربعة قضاة، هم أشهر قضاة الأمة، فقال: قضاة الأمة: عمر، وعلي، وزيد بن ثابت، وأبو موسى, وكان أبو موسى عندما يأتي المدينة يحرص على مجالس عمر، رضي الله عنهما، وربما أمضى جزءًا كبيرًا معه، فعن أبي بكر بن أبي موسى أن أبا موسى -رضي الله عنه- أتى عمر بن الخطاب بعد العشاء فقال له عمر: ما جاء بك؟ قال: جئت أتحدث إليك، قال: هذه الساعة؟ قال: إنه فقه. فجلس عمر فتحدثا طويلاً، ثم إن أبا موسى قال: الصلاة يا أمير المؤمنين، قال: إنا في صلاة. وكما كان أبو موسى حريصًا على طلب العلم والتعليم كان حريصًا على نشر العلم وتعليم الناس وتفقيههم، وكان يحض الناس على التعلم والتعليم في خطبه، فعن أبي المهلب قال: سمعت أبا موسى على منبره وهو يقول: من علّمه الله علمًا فليعلّمه، ولا يقولنّ ما ليس له به علم، فيكون من المتكلفين، ويمرق من الدين, وقد جعل أبو موسى مسجد البصرة مركز نشاطه العلمي، وخصص جزءًا كبيرًا من وقته لمجالسه العلمية، ولم يكتف بذلك، بل كان لا يدع فرصة تمر دون أن يستفيد منها في تعليم الناس وتفقيههم، فإذا ما سلّم من الصلاة استقبل، رضي الله عنه، الناس، وأخذ يعلمهم ويضبط لهم قراءتهم للقرآن الكريم، قال ابن شوذب: كان أبو موسى إذا صلى الصبح استقبل الصفوف رجلاً رجلاً يقرئهم, واشتهر أبو موسى بين الصحابة بجمال صوته، وحسن قراءته، فكان الناس يجتمعون عليه حين يسمعونه يقرأ، وكان عمر، رضي الله عنه، إذا جلس عنده أبو موسى طلب منه أن يقرأ له ما يتيسر له من القرآن, وقد وفّقه الله لتعليم المسلمين، وبذل رضي الله عنه كل ما يستطيع من جهد في تعليم القرآن ونشره بين الناس في كل البلاد التي نزل فيها، واستعان بصوته الجميل وقراءته الندية فاجتمع الناس عليه، وازدحم حوله طلاب العلم في مسجد البصرة، فقسّمهم إلى مجموعات وحلق، فكان يطوف عليهم يسمعهم ويستمع منهم ويضبط لهم قراءتهم, فكان القرآن الكريم شغله الشاغل، رضي الله عنه، صرف له معظم أوقاته في حله وفي سفره، فعن أنس بن مالك قال: بعثني الأشعري إلى عمر-رضي الله عنه- فقال عمر: كيف تركت الأشعري؟ فقلت له: تركته يعلم الناس القرآن، فقال: أما إنه كيَّس, ولا تُسمعها إياه. حتى عندما كان يخرج إلى الجهاد كان يعلم ويفقِّه، فعن حطّاب بن عبد الله الرقاشى قال: كنا مع أبي موسى الأشعري -رضي الله عنه- في جيش على ساحل دجلة، إذ حضرت الصلاة، فنادى مناديه للظهر، فقام الناس للوضوء، فتوضأ ثم صلّى بهم، ثم جلسوا حلقًا، فلما حضرت العصر نادى منادى العصر، فهبَّ الناس للوضوء أيضًا فأمر مناديه: لا وضوء إلاّ على من أحدث.
وأثمرت جهوده العلمية، رضي الله عنه، وقرّت عينه برؤية عدد كبير حوله من حُفّاظ القرآن الكريم وعلمائه، زاد عددهم في البصرة وحدها على ثلاثمائة، ولما طلب عمر بن الخطاب من عماله أن يرفعوا إليه أسماء حفاظ القرآن لكي يكرمهم ويزيد عطاءهم، فكتب إليه أبو موسى أنه بلغ من قبلي ممن حمل القرآن ثلاثمائة وبضعة رجل, واهتم أبو موسى-رضي الله عنه- بتعليم السنة وروايتها، فروى عنه عدد من الصحابة وكبار التابعين. قال الذهبي – رحمه الله-: حدّث عنه بريدة بن الحصيب، وأبو إمامة الباهلى، وأبو سعيد الخدري، وأنس بن مالك، وطارق بن شهاب، وسعيد بن المسيب، والأسود بن يزيد، وأبو وائل شقيق بن سلمة، وأبو عثمان النهدي وخلق سواهم, وكان رضي الله عنه شديد التمسك بسنة النبي -صلى الله عليه وسلم-، دلَّ على ذلك مسيرته في الحياة، وما أوصى به أولاده عند موته، ومع حرصه الشديد على السنة لم يكثر، رضي الله عنه، من رواية الأحاديث الشريفة كما هو حال كبار الصحابة، رضي الله عنهم؛ فقد كانوا يتهيبون من الرواية عن النبي -صلى الله عليه وسلم-، وكان من المقربين لأبي موسى في البصرة أنس بن مالك، ويعتبر من خواصه، فعن ثابت عن أنس قال: كنا مع أبى موسى في مسير، والناس يتكلمون ويذكرون الدنيا، قال أبو موسى: يا أنس، إن هؤلاء يكاد أحدهم يفري الأديم بلسانه فريًا، فتعال فلنذكر ربنا ساعة، ثم قال: ما ثبر الناس – ما بطأ بهم-؟ قلت: الدنيا والشيطان والشهوات، قال: لا، لكن عُجِّلت الدنيا وغُيِّبت الآخرة، أما والله لو عاينوها ما عدّلوا ولا بدّلوا. ولثقة أبي موسى بأنس فقد كان يكلفه أن يكون رسوله إلى أمير المؤمنين عمر، قال أنس: بعثني أبو موسى الأشعري من البصرة إلى عمر فسألني عن أحوال الناس، وبعد موقعة (تستر) أرسله أبو موسى إلى عمر بالأسرى والغنائم فقدم على عمر بصاحبها الهرمزان.
3- ولاية أبي موسى في عهد عمر وعثمان رضي الله عنهم: يعتبر أبو موسى – بحق – أشهر ولاة البصرة أيام عمر بن الخطاب؛ فقد فتحت في أيامه المواقع العديدة في فارس، وكان يجاهد بنفسه، ويرسل القادة للجهات المختلفة من البصرة، ففي أيامه تمكن البصريون من فتح الأهواز وما حولها، وفتحوا العديد من المواضع المهمة، وكانت فترة ولايته حافلة بالجهاد، وقد تعاون أبو موسى مع الولاة المجاورين له في كثير من الحروب والفتوحات، وقد قام بجهود كبيرة لتنظيم المناطق المفتوحة وتعيين العمال عليها وتأمينها وترتيب مختلف شؤونها، وقد جرت العديد من المراسلات بين أبي موسى وعمر بن الخطاب في مختلف القضايا, منها توجيهه لأبي موسى في كيفية استقباله للناس في مجالس الإمارة، ومنها نصيحته لأبي موسى بالورع ومحاولة إسعاد الرعية، وهي قيمة قال فيها عمر: «أما بعد، فإن أسعد الناس من سعدت به رعيته، وإن أشقى الناس من شقيت به رعيته، وإياك أن ترتع فيرتع عمالك، فيكون مثلك عند ذلك مثل البهيمة نظرت إلى خضرة من الأرض فرتعت تبغي السمن وإنما حتفها في سمنها». وهناك العديد من الرسائل بين عمر وأبي موسى تدل على نواح إدارية وتنفيذية مختلفة كان يقوم بها أبو موسى بتوجيه من عمر، وقد جمع معظم هذه المراسلات محمد حميد الله في كتابه القيم عن الوثائق السياسية. وتعتبر فترة ولاية أبي موسى على البصرة من أفضل الفترات، حتى لقد عبر عنها أحد أحفاد البصريين فيما بعد، وهو الحسن البصري – رحمه الله – فقال: ما قدمها راكبٌ خير لأهلها من أبي موسى؛ إذ إن أبا موسى – رحمه الله – كان بالإضافة إلى إمارته خير معلم لأهلها؛ إذ علَّمهم القرآن وأمور الدين المختلفة, وفي عهد عمر بن الخطاب كان العديد من المدن في فارس – والتي فُتحت في زمنه – تخضع للبصرة، وتُدار من قبل والي البصرة الذي يعين عليها العمال من قِبَلة، ويرتبطون به ارتباطًا مباشرًا، وهكذا اعتبر أبو موسى من أعظم ولاة عمر. واعتبرت مراسلات عمر مع أبي موسى من أعظم المصادر التي كشفت سيرة عمر مع ولاته، وبينت ملامح أسلوبه في التعامل معهم, وقد أوصى عمر – رضي الله عنه – في وصيته للخليفة من بعده ألاّ يقرَّ لي عامل أكثر من سنة، وأقر الأشعري أربع سنين, وقد تولى أبو موسى منصب القضاء في عهد عمر وكان كتاب عمر إليه في القضاء أنموذجًا ومثالاً يفيد كل قاضٍ، بل وكل إداري، في كل زمان ومكان, وقال عنه ابن القيم: وهذا كتاب جليل تلقاه العلماء بالقبول، وبنوا عليه أصول الحكم، والشهادة، والمفتي أحوج شيء إليه وإلى تأمّله والتفقّه فيه, كما تولى الولاية في عهد عثمان واستقضاه ذو النورين على البصرة أيضًا، ولما قُتل عثمان كان واليًا على الكوفة، ولما تولى علي -رضي الله عنه- الخلافة، أخذ أبو موسى له البيعة من أهل الكوفة؛ إذ كان واليًا عليها لعثمان بن عفان -رضي الله عنه-، وحين استنفر الخليفة الكوفيين من ذي قار، رأى أبو موسى بوادر الفتنة والانشقاق بين المسلمين، فنصح لأهل الكوفة أن يلزموا بيوتهم، ويعتزلوا هذا الأمر فإنما هي فتنة، القاعد فيها خير من القائم، والقائم خير من الماشي، ولكن لاختلاف وجهة نظره مع الخليفة عُزل عن ولاية الكوفة.
إن حياة أبي موسى-رضي الله عنه- منذ إسلامه قضاها في نشر الإسلام وتعليم الناس العلم، وخاصة القرآن الذي اشتهر بقراءته، والجهاد في سبيل الله والحرص عليه، والفصل في الخصومات، ونشر العدل وضبط الولايات عن طريق القضاء والإدارة، ولا شك أن هذه المهامّ صعبة، وتحتاج إلى مهارات وصفات فريدة من العلم والفهم والفطنة والحذق والورع والزهد، وقد أخذ منها أبو موسى بنصيب وافر، فاعتمد عليه رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ثم الخلفاء الأربعة من بعده رضوان الله عليهم, فهل يتصور أن يثق رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، ثم خلفاؤه من بعده برجل يمكن أن تجوز عليه مثل الخدعة التي ترويها قصة التحكيم؟!
إن اختيار أبي موسى –رضي الله عنه – حكمًا عن أهل العراق من قبل عليّ- رضي الله عنه – وأصحابه ينسجم تمامًا مع الأحداث، فالمرحلة التالية هي مرحلة الصلح وجمع كلمة المسلمين، وأبو موسى الأشعري كان من دعاة الصلح والسلام، كما كان في الوقت نفسه محبوبًا، مؤتمنًا من قبائل العراق، وقد ذكرت المصادر المتقدمة أن عليًا هو الذي اختار أبا موسى الأشعري، يقول خليفة في تاريخه: وفيها – سنة 37هـ- اجتمع الحكمان: أبو موسى الأشعري من قبل عليّ، وعمرو بن العاص من قبل معاوية, ويقول ابن سعد: فكره الناس الحرب وتداعوا على الصلح، وحكّموا الحكمين، فحكَّم عليّ أبا موسى، وحكّم معاويةُ عمرو بن العاص, ولهذا يمكن القول إن الدور المنسوب للقُرّاء في صفين من مسؤولية وقف القتال والتحكيم، وفرض أبي موسى حكمًا ليست إلاّ فرية تاريخية اخترعها الإخباريون الشيعة الذين ما انقطعوا عن تزوير وتشويه تاريخ الإسلام بالروايات الباطلة, وكان يزعجهم أن يظهر علي -رضي الله عنه- بمظهر المتعاطف مع معاوية وأهل الشام, وأن يرغب في الصلح مع أعدائهم التقليديين, ومن جهة أخرى يحملون المسؤولية لأعدائهم الخوارج ويتخلصون منها, ويجعلون دعوى الخوارج تناقض نفسها, فهم الذين أجبروا عليًا على قبول التحكيم, وهم الذين ثاروا عليه بسبب قبول التحكيم.
إن هذه العجالة عن شخصية أبي موسى لها علاقة ببحثنا عن شخصية أمير المؤمنين علي وعصره, وأبو موسى من الشخصيات المؤثرة في عصره, وقد تعرضت للتشويه, وغالبًا إذا تحدث أحد عن صفين والتحكيم تعرضت شخصية أبي موسى وعمرو بن العاص, للتشويه, والكذب والافتراء بسبب الروايات الضعيفة والموضوعة, فكان لزامًا علينا أن نتحدث عن شيء من سيرتهما العطرة الزكية, وهذا المقصد من أهداف الكتابة في هذا البحث.

ثانيًا: سيرة عمرو بن العاص رضي الله عنه:
هو عمرو بن العاص بن وائل السهمي, يُكنّى أبا محمد وأبا عبد الله, ويتفق ابن إسحاق والزبير بن بكار أن إسلامه كان عند النجاشي في الحبشة, وهاجر إلى المدينة في صفر سنة ثمان للهجرة, وذكر ابن حجر أنه أسلم سنة ثمانٍ قبل الفتح, وقيل: بين الحديبية وخيبر.
1- إسلامه: نترك عمرو بن العاص- رضي الله عنه- يحدثنا عن إسلامه, فقد قال: لما انصرفنا مع الأحزاب من الخندق جمعت رجالاً من قريش, كانوا يرون رأيي ويسمعون مني, فقلت لهم: تعلمون والله أني أرى أمر محمد يعلو الأمور علوًا منكرًا, وإني رأيت أمرًا, فما ترون فيه؟ قالوا: وماذا رأيت؟ قال: رأيت أن نلحق بالنجاشي, فإنا أن نكون تحت يديه أحب إلينا أن نكون تحت يدي محمد, وإن ظهر قومنا فنحن من قد عرفوا, فلن يأتينا منهم إلاّ خيرًا, قالوا: إن هذا الرأي, قلت: فاجمعوا لنا ما نهديه له, وكان أحب ما يُهدى إليه من أرضنا الأدم, فجمعنا له أدمًا كثيرًا ثم خرجنا حتى قدمنا عليه, فو الله إنا لعنده إذ جاءه عمرو بن أمية الضمري, وكان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قد بعثه إليه في شأن جعفر وأصحابه, قال: فدخل عليه, ثم خرج من عنده, قال: فقلت لأصحابي: هذا عمرو بن أمية الضمري, لو دخلت على النجاشي, وسألته إياه فأعطانيه, فضربت عنقه, فإذا فعلت ذلك رأت قريش أني أجزأت عنها, حيث قتلت رسول محمد, قال: فدخلت عليه, فسجدت له كما كنت أصنع, فقال: مرحبًا صديقي, أهديت إلي من بلادك شيئًا؟ قال: نعم, أيها الملك, قد أهديت إليك أدمًا كثيرًا, قال: ثم قربته إليه فأعجبه واشتهاه, ثم قلت له: أيها الملك، إني قد رأيت رجلاً خرج من عندك، وهو رسول رجل عدو لنا, فأعطنيه لأقتله, فإنه قد أصاب من أشرافنا وخيارنا, قال: فغضب, ثم مد يده, فضرب بها أنفه ضربة ظننت أنه قد كسره, فلو انشقت لي الأرض لدخلت فيها فرقًا منه, ثم قلت له: أيها الملك, والله لو ظننت أنك تكره هذا ما سألتكه, قال: أتسألني أن أعطيك رسول رجل يأتيه الناموس الأكبر الذي كان يأتي موسى لقتله؟ قال: قلت: أيها الملك, أكذلك هو؟ قال: ويحك يا عمرو أطعني واتبعه, فإنه والله لعلى الحق, وليظهرن على من خالفه كما ظهر موسى على فرعون وجنوده, قال: قلت: أفتبايعني له على الإسلام؟ قال: نعم, فبسط يده فبايعته على الإسلام, ثم خرجت إلى أصحابي, وقد حال رأيي عما كان عليه, وكتمت على أصحابي إسلامي, ثم خرجت عامدًا إلى رسول الله لأسلم, فلقيت خالد بن الوليد, وذلك قبيل الفتح, وهو مقبل من مكة, فقلت: أين يا أبا سليمان؟ قال: والله لقد استقام المنسم, وإن الرجل لنبي, أذهب والله فأسلم, فحتى متى؟ قال: قلت: والله ما جئت إلاّ لأسلم. قال: فقدمنا المدينة على رسول الله -صلى الله عليه وسلم-, فتقدم خالد بن الوليد فأسلم وبايع, ثم دنوت, فقلت: يا رسول الله, إني أبايعك على أن يُغفر لي ما تقدم من ذنبي, ولا أذكر ما تأخر, قال: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «يا عمرو، بايع, فإن الإسلام يجُبُّ ما كان قبله, وإن الهجرة تجُبّ ما كان قبلها», قال: فبايعته ثم انصرفت. وفي رواية قال:... فلما جعل الله الإسلام في قلبي أتيت النبي -صلى الله عليه وسلم- فقلت: ابسط يمينك فلأبايعك, فبسط يمينه, قال: فقبضت يدي, قال: «ما لك يا عمرو؟» قال: قلت: أردت أن أشترط. قال: «تشترط بماذا؟» قلت: أن يُغفر لي. قال: «أما علمت أن الإسلام يهدم ما كان قبله, وأن الهجرة تهدم ما كان قبلها, وأن الحج يهدم ما كان قبله؟».
2- عمرو بن العاص يقود سرية في ذات السلاسل 7هـ:
جهز النبي -صلى الله عليه وسلم- جيشًا بقيادة عمرو بن العاص إلى ذات السلاسل, وذلك لتأديب قضاعة التي غرها ما حدث في مؤتة التي اشتركت فيها إلى جانب الروم, فتجمعت تريد الدنو من المدينة, فتقدم عمرو بن العاص في ديارها ومعه ثلاثمائة من المهاجرين والأنصار, ولما وصل إلى مكان تجمع الأعداء بلغه أن لهم جموعًا كثيرة, فأرسل إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يطلب المدد فجاءه مدد بقيادة أبي عبيدة بن الجراح, وقاتل المسلمون الكفار, وتوغل عمرو في ديار قضاعة التي هربت وتفرقت وانهزمت, ونجح عمرو في إرجاع هيبة الإسلام لأطراف الشام, وإرجاع أحلاف المسلمين لصداقتهم الأولى, ودخول قبائل أخرى في حلف المسلمين, وإسلام الكثيرين من بني عبس, وبني مرة, وبني ذبيان, وكذلك فزارة وسيدها عيينة بن حصن في حلف مع المسلمين, وتبعها بنو سليم, وعلى رأسهم العباس بن مرداس, وبنو أشجع, وأصبح المسلمون هم الأقوى في شمال بلاد العرب, وإن لم يكن في البلاد جميعها, وفي هذه الغزوة دروس وعبر وحكم تتعلق بعمرو بن العاص منها:
أ- إخلاص عمرو بن العاص:
يقول عمرو: بعث إلي رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فقال: «خذ عليك ثيابك, وسلاحك, ثم ائتني». فأتيته وهو يتوضأ, فصعّد فيّ النظر, ثم طأطأ, فقال: «إني أريد أن أبعثك على جيش, فيسلمك الله ويغنمك, وأرغب لك في المال رغبة صالحة», قال: قلت: يا رسول الله، ما أسلمت من أجل المال, ولكني أسلمت رغبة في الإسلام, وأن أكون مع رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال: «يا عمرو، نعم المال الصالح للمرء الصالح». فهذا الموقف يدل على قوة إيمان وصدق وإخلاص عمرو بن العاص للإسلام وحرصه على ملازمة رسول الله صلى الله عليه وسلم, وقد بين له رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أن المال الحلال نعمة إذا وقع بيد الرجل الصالح؛ لأنه يبتغي وجه الله ويصرفه في وجوه الخير ككفالة الأيتام والأرامل والدعاة ودعم المجاهدين, والمشاريع الخيرية وغيرها من وجوه البر, ويعف به نفسه وأسرته, ويغني به المسلمين, ونستنبط من الحديث أن سعي العبد للحصول على المال الصالح أمر محمود يحث عليه النبي صلى الله عليه وسلم, كما أن الرجل ذا المال إذا استطعنا إيصال الصلاح له ليجمع بين صلاح المال وصلاح نفسه كما في الحديث, فهو أيضًا مطلوب ومحمود, وهذا خير له وللإسلام والمسلمين.
ب- حرص عمرو على سلامة قواته: بعث رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عمرًا في غزوة ذات السلاسل, فأصابهم برد, فقال لهم عمرو: لا يوقدن أحد نار, فلما قدم شكوه, قال: يا نبي الله, كان فيهم قلة, فخشيت أن يرى العدو قلتهم, ونهيتهم أن يتبعوا العدو مخافة أن يكون لهم كمين، فأعجب ذلك رسول الله.
ج- من فقه عمرو بن العاص رضي الله عنه: قال عمرو بن العاص رضي الله عنه: احتلمت في ليلة باردة في غزوة ذات السلاسل, فأشفقت إن اغتسلت أن أهلك, فتيممت, ثم صليت بأصحابي الصبح, فذكروا ذلك للنبي -صلى الله عليه وسلم- فقال: «يا عمرو صليت بأصحابك وأنت جنب؟» فأخبرته بالذي منعني من الاغتسال وقلت: إني سمعت الله يقول: (وَلاَ تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا). [النساء:29], فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يقل شيئًا.
وهذا الاجتهاد من عمرو بن العاص يدل على فقهه ووفور عقله, ودقة استنباطه الحكم من دليله, ولئن وقف الفقهاء عند هذه الحادثة يفرعون عليها الأحكام, فإن الذي يستوقفنا منها تلك السرعة في أخذ عمرو للقرآن وصلته به حتى بات قادرًا على فقه الأمور من خلال الآيات وهو لم يمض على إسلامه أربعة أشهر, إنه الحرص على الفقه في دين الله, وقد يكون عمرو –وهذا احتمال وارد- على صلة بالقرآن قبل إسلامه يتتبع ما يستطيع الوصول إليه, وحينئذ نكون أمام مثال آخر من عظمة هذا القرآن الذي لوى أعناق الكافرين وجعلهم وهم في أشد حالات العداوة لهذا الدين يحاولون استماع هذا القرآن, كما رأينا ذلك في العهد المكي, ويؤيد هذا ما رأيناه من معرفته بالقرآن حينما طلب من النجاشي أن يسأل مهاجري الحبشة عن رأيهم في عيسى عليه السلام.
3- فضائله ومناقبه:
أ- شهادة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- له بالإيمان: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أسلم الناس وآمن الناس عمرو بن العاص», وفي حديث آخر قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ابنا العاص مؤمنان عمرو وهشام», وقال عمرو بن العاص: فزع الناس بالمدينة مع النبي -صلى الله عليه وسلم- فتفرقوا, فرأيت سالمًا احتبى سيفًا فجلس في المسجد, فلما رأيت ذلك فعلت مثل الذي فعل, فخرج رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فرآني وسالمًا, وأتى الناس فقال: «أيها الناس، ألا مفزعكم إلى الله ورسوله, ألا فعلتم ما فعل هذان الرجلان؟».
ب- تقديم رسول الله صلى الله عليه وسلم له على غيره, وشهادته له بأنه من صالحي قريش:
فقد جاء عن عمرو بن العاص -رضي الله عنه- قوله: ما عدل بي رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وبخالد أحدًا منذ أسلمنا في حرب. وشهد له رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بأنه من صالحي قريش, فعن أبي مليكة قال: قال طلحة بن عبيد الله: سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: «إن عمرو بن العاص من صالحي قريش». وهنا درس نبوي في معرفة النبي -صلى الله عليه وسلم- لمعادن الرجال والاستفادة منها.
ج- دعاء رسول الله صلى الله عليه وسلم له: عن زهير بن قيس البلوي عن عمه علقمة بن رمثة البلوي قال: بعث رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عمرو بن العاص إلى البحرين, ثم نعس رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ثم استيقظ فقال: «رحم الله عمرًا». فتذاكرنا مَن اسمه عمرو ثم نعس ثانية فاستيقظ فقال: «رحم الله عمرًا» ثم نعس ثالثة فاستيقظ, فقال: «يرحم الله عمرًا». قلنا: من عمرو يا رسول الله؟ قال: «عمرو بن العاص» قلنا: وما باله؟ قال: «ذكرته إني كنت إذا ندبت الناس للصدقة, جاء من الصدقة فأجزل, فأقول: من أين لك هذا يا عمرو؟ فيقول: من عند الله, وصدق عمرو, إن لعمرو عند الله لخيرًا كثيرًا». قال زهير: فلما كانت الفتنة قلت: أتبع هذا, قال فيه رسول الله ما قال, فلم أفارقه.
4- أعماله في عهد أبي بكر وعمر وعثمان رضي الله عنهم:
كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قد أرسل عمرًا إلى دعوة ابني الجلندي «جيفر, وعباد» إلى الإسلام، ودعاهما إلى الإسلام، وصدّقا بالنبي -صلى الله عليه وسلم- وخلّيا بين عمرو وبين الصدقة والحكم فيما بين قومهم, وكانا له عونًا على من خالفه, وبعد وفاة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وجه الصديق عمرو بن العاص بجيش إلى فلسطين, وكان الصديق خيَّره بين البقاء في عمله الذي أسنده إليه رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وبين أن يختار له ما هو خير له في الدنيا والآخرة, إلاّ أن الذي هو فيه أحب إليه, فكتب إليه عمرو بن العاص: إني سهم من سهام الإسلام، وأنت بعد الله الرامي بها والجامع لها, فانظر أشدها وأخشاها وأفضلها فارمِ به, فلما قدم المدينة أمره أبو بكر -رضي الله عنه- أن يخرج من المدينة، وأن يعسكر حتى يندب معه الناس.. ثم أرسله بجيش إلى الشام. وفي معركة اليرموك كان عمرو على الميمنة, فكان لمشاركته أثر كبير في انتصار المسلمين, وبعد وفاة الصديق استمر عمرو في الشام وكانت له مشاركة فعّالة في حركة الفتح الإسلامي بالشام, فقد قام بمشاركة شرحبيل بن حسنة في فتح بيسان, وطبرية, وأجنادين, كما قام رضي الله عنه بفتح غزة, واللد, ويُبنى, وعمواس, وبيت جبرين, ويافا, ورفح, وبيت المقدس, ولم يقتصر عمرو -رضي الله عنه- على فتح بلاد الشام وحدها, بل شمل أيضًا مشاهير بلاد مصر, حيث كان عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- أصدر أمره إلى عمرو بن العاص -رضي الله عنه- بعد الفراغ من فتوح الشام أن يسير بمن معه من الجند إلى مصر, فخرج رضي الله عنه حتى وصل إلى العريش ففتحها, كما شملت حركة الفتح أيضًا: الفرما, والفسطاط, وحصن بابليون, وعين شمس, والفيوم, والأشمونين, وأخميم, والبشرود, وتنيس, ودمياط, وتونة, ودقهلة, والإسكندرية, وبلادًا إفريقية أخرى مثل؛ برقة وزويلة وطرابلس, وقد شهد له الفاروق بصفات الزعامة والإمامة فقال: ما ينبغي لأبي عبد الله أن يمشي على الأرض إلاّ أميرًا. وكان في عهد عثمان من المقربين إلى الخليفة ومن أهل مشورته, ولما أُحيط بعثمان, رضي الله عنه, خرج عمرو بن العاص من المدينة متوجهًا إلى الشام وقال: والله يا أهل المدينة ما يقيم بها أحد فيدركه قتل هذا الرجل إلاّ ضربه الله -عز وجل- بذل, ومن لم يستطع نصره فليهرب, فسار وسار معه ابناه عبد الله ومحمد, وخرج بعده حسان بن ثابت وتتابع على ذلك ما شاء الله, وعندما جاء الخبر عن مقتل عثمان -رضي الله عنه- وبأن الناس بايعوا علي بن أبي طالب, قال عمرو بن العاص: رحم الله عثمان -رضي الله عنه- وغفر له, فقال سلامة بن زنباع الجذامي: يا معشر العرب، إنه قد كان بينكم وبين العرب باب فاتخذوا بابًا إذا كسر الباب, فقال عمرو: وذاك الذي نريد ولا يصلح الباب إلاّ أشاف, تخرج الحق من حافرة البأس، ويكون الناس في العدل سواء, ثم تمثل عمرو بن العاص بهذه الأبيات:


فيا لهفَ نفسي على مالكٍ
وهل يصرفُ مالكٌ حفظَ القدرْ

أنزعٌ من الحرِّ أودى بهم
فأعذرَهم أم بقومي سكرْ؟!

 

ثم ارتحل راجلاً يبكي ويقول: يا عثماناه؛ أنعى الحياء والدين, حتى قدم دمشق.
هذه هي الصورة الصادقة عن عمرو -رضي الله عنه- والمتتالية مع شخصيته وخط حياته وقربه من عثمان, أما الصورة التي تمسخه إلى رجل مصالح وصاحب مطامع وراغب دنيا فهي الرواية المتروكة الضعيفة, رواية الواقدي عن موسى بن يعقوب, وقد تأثرت بالروايات الضعيفة والسقيمة مجموعة من الكتاب والمؤرخين, فأهووا بعمرو إلى الحضيض, كالذي كتبه محمود شيت خطاب, وعبد الخالق سيد أبو رابية, وعباس محمود العقاد الذي يتعالى عن النظر في الإسناد ويستخف بقارئه, ويظهر له صورة معاوية وعمرو رضي الله عنهما بأنهما:... انتهازيان صاحبا مصالح. ولو أجمع الناقدون التاريخيون على بطلان الروايات التي استند إليها في تحليله, فهذا لا يعني للعقاد شيئًا, فقد قال بعد أن ذكر روايات ضعيفة واهية لا تقوم بها حجة:.. وليقل الناقدون التاريخيون ما بدا لهم أن يقولوا في صدق هذا الحوار, وصحة هذه الكلمات, وما ثبت نقله ولم يثبت منه سنده, ولا نصه, فالذي لا ريب فيه ولو أجمعت التواريخ قاطبة على نقضه أن الاتفاق بين الرجلين, كان اتفاق مساومة ومعاونة على الملك والولاية, وأن المساومة بينهما كانت على النصيب الذي آل إلى كل منهما، ولولاه لما كان بينهما اتفاق.
إن شخصية عمرو -رضي الله عنه- الحقيقية أنه رجل مبادئ, غادر المدينة حين عجز عن نصرة عثمان, وبكى عليه بكاءً مُرًّا حين قُتل, فقد كان يدخل في الشورى في عهد عثمان من غير ولاية, ومضى إلى معاوية, رضي الله عنهما, يتعاونان معًا على حرب قتلة عثمان والثأر للخليفة الشهيد, لقد كان مقتل عثمان كافيًا لأن يحرك كل غضبه على أولئك المجرمين السفّاكين, وكان لابد من اختيار مكان غير المدينة للثأر من هؤلاء الذين تجرؤوا على حرم رسول الله، وقتلوا الخليفة على أعين الناس, وأي غرابة أن يغضب عمرو لعثمان؟. وإن كان هناك من يشك في هذا الموضوع فمداره على الروايات المكذوبة التي تصور عمرًا همه السلطة والحكم.

 

المصدر: الإسلام اليوم

 


          Bookmark and Share      



(8) حقيقة الخلاف بين الصحابة في معركتي الجمل وصفين وقضية التحكيم
 
الاسم:  
نص التعليق: 
      
 



الأكثر مشاهدة


 
اشتراك
انسحاب