8402189
 
 
الـــمـــــقـــــــــالات
   
خسائر إيران ومكاسبها في سوريا
 

خسائر إيران ومكاسبها في سوريا

ايران تؤهل خطوط النقل ومحطات الكهرباء في سوريا – موقع قناة المنار – لبنان

 

فاطمة الصمادي

يبدو أستاذ العلاقات الدولية والأكاديمي البارز في إيران، الدكتور محمود سريع القلم، محقاً عندما يعتقد أن" إيران خسرت الربيع العربي"، وله أيضا الحق في أن لا يقف عند حدود ذلك، وأن يذهب إلى أن دولاً أخرى كانت الرابحة من هذه الثورات.

لكن هذا الرأي يجب ألا يسقط قراءة أخرى يمكن الحديث عنها، وقد تثير "حنق" الكثيرين واستغرابهم. ويمكن القول إن هذا الرأي الذي يتبناه "سريع القلم" وباحثون كثر داخل إيران وخارجها، يصدق مرحلياً وظاهرياً، لكنه على المدى البعيد قد يختلف الأمر.

ذلك أن إيران بدأت تكسب نقاط قوة تجعل الحديث عن عزلها ضرباً من الأمنيات السياسية، وهي وإن لم تكسب معركة سوريا، فإنها تسعى لتخفيف آثار نتائجها والتقليل من خسارتها.

داخل إيران نفسها تراجعت وتيرة الحديث سياسياً وإعلامياً عن أن الثورات العربية هي امتداد لثورة إيران ضد الشاه عام 1979. وغاب الحديث عن أن "الثورات العربية تبنت أفكار الثورة الإسلامية الإيرانية"، وبدت إيران أخيراً لا تلقي بالاً لـ"الميزة" التي جرى التركيز عليها في مساهمات الباحثين الإيرانيين، ولم يستسغها النظام السياسي هناك، وهي غياب الأبعاد الإيديولوجية من مطالب الثورات وظهور الصبغة المحلية والواقعية عليها، حتى إن أساتذة جامعيين وباحثين إيرانيين يتحدثون بحماسة عن الثورات العربية التي "أغلقت دكاكين الأيديولوجيا".

وتتراجع وتيرة الخطاب الأيديولوجي، في حين يحافظ خطاب آخر على حضوره، وهو الذي يتحدث عن "النسخة المزورة للثورات العربية"، والثورة السورية التي "تأتي بتحريض من الولايات المتحدة وإسرائيل بهدف استهداف المقاومة، ورأس حزب الله على وجه التحديد".

وظهرت إيران في مرحلة زمنية معينة من عمر الثورات العربية وكأنها "تقف على هامش تطورات المنطقة والربيع العربي"، إلا أنها سرعان ما عادت لتذكر بدورها الإقليمي في سوريا وفي غيرها.

ويمكن أن يضاف إلى خسائر إيران خسارة أخرى تتمثل في "هزيمة النموذج"، وليس من أدل على ذلك الردود السريعة التي توالت من زعامات عربية، أرسلت إلى إيران رسالة سريعة بفشل نموذجها الذي سعت إلى تصديره. وفي مقابل ذلك تسلل"النموذج التركي" إلى المنطقة العربية مدعوماً بجهد محموم من الحكومة التركية التي لا تتوانى عن إطلاق تصريحات تبدي حساسية تجاه الحديث عن هذا "النموذج" الذي يأتي مسبوقاً بترحيب لا يحمل محظورات البعد الطائفي، ويشكل هو الآخر مأزقاً جديداً لإيران.

و"أزمة النموذج"، حديث لا يقتصر على أعداء إيران ومنافسيها، بل تضمنه بشكل كبير خطاب قيادات فكرية وسياسية إيرانية، بدأت تطرح السؤال: هل تشكل إيران نموذجاً يحتذى؟ وتأتي الإجابات في الغالب حاملة الكثير من النقد والتشكيك.

ولا تكون الصورة مكتملة باستعراض خسائر فقط. والنقطة التي يجب الانتباه لها في قراءتنا للموقف الإيراني، هي القدرة التي تمتلكها طهران على إجراء عمليات تحول وانعطاف سياسي، تتجاوز الخيارات الشعاراتية والأيديولوجية.

وتميل غالبية التحليلات إلى قناعة مفادها أن مخاطر سقوط الأسد على إيران ستكون كبيرة. وهذا صحيح، لأن هذا السقوط سيؤثر بلا شك في قدرة ونفوذ إيران في المنطقة، وسيكون فاتحة لتراجع كبير على هذا الصعيد. لكن النتائج لن تكون بالشدة التي جرى الحديث عنها. ويعزز هذا، أن سقوط الأسد لم يأتِ ولن يأتي سريعاً، ولم يكن بالسهولة التي جرى تصويرها مع بدايات الثورة السورية.

وعلى الرغم من موقفها شبه الثابت من النظام السوري، إلا أن إيران بدأت فعلياً خطوات لإيجاد حالة من الانسجام بين سياستها والتغيرات التي تشهدها المنطقة. وتسعى بشكل غير معلن للوصول إلى صيغة "أقل ما يمكن من النتائج السيئة".

وهذه الصيغة اختبرتها إيران في أكثر من مناسبة وتجيد التعامل معها. ويمكن على هذا الصعيد إجراء قراءة عميقة ولها قدرة تفسيرية لفهم هذا الجانب في سلوك إيران في العراق وأفغانستان، ولنا أن نأخذ من علاقة إيران بحركة طالبان مثالا يمكن من خلاله تفسير الكثير.

من جوانب عدة تشكل سوريا أهمية كبيرة لإيران، فهي بالنسبة لطهران بوابة النفوذ والتأثير، ومن خلالها  يمكن الوصول إلى منطقة المتوسط. وسوريا هي طريق مرور المال والسلاح والخبرات الفنية والعسكرية لحلفاء إيران. وهذا الارتباط تحقق بفعل العلاقة الطويلة بين عائلة الأسد وإيران، كما إن العلاقة الوثيقة بينهما تحققت بفعل المصالح السياسية لا بفعل التقارب الفكري أو العقائدي كما يحلو للبعض أن يصور.

ومن المفارقات أن كتب وأفكار الخميني لم تكن تجد، بقرار حكومي ورغبة من الأسد الأب، ترحيباً في سوريا.

بالنسبة لطهران لن يكون من السهل خسارة حليف كبير، له ثقل كبير على صعيد الجغرافيا السياسية، لكن ذلك لا يصنف كأمر يحدث للمرة الأولى بالنسبة لإيران.

ومن المهم أن نلاحظ هنا أن طهران تمتلك مهارة في رسم استراتيجيات للعمل في محيط الخصم، وإيران ستكون قادرة على التحرك في مرحلة ما بعد الأسد، وهي المرحلة التي بدا من الواضح أنها لن تكون مرحلة انتقال سلس وتحول سياسي بقدر ما ستكون مرحلة فوضى سياسية واقتتال وتصفيات دموية.

وحتى مع الذهاب بعيدا في "التفاؤل" وتشكيل حكومة سورية جديدة، فمن المستبعد أن تكون هذه الحكومة متجانسة من حيث التركيب وقادرة على فرض السيطرة والسيادة عل كامل الأراضي السورية، وحالة الفوضى هذه تصب في مصلحة إيران أكثر من مصلحة أعدائها.

وإذا أردنا الحديث عن الخيارات المثلى بالنسبة لإيران في سوريا، يتصدر ذلك منع سقوط الأسد. وإذا حدث وسقط، فالخيار المفضل الثاني هو الفوضى وغياب الاستقرار.

وستعتمد إيران في سوريا سياسة عملية تقترب كثيرا من وطريقة عملها في العراق، خاصة على صعيد السياسة الناعمة.

اليوم ومع تفاقم الوضع الاقتصادي، ترتفع شعارات مناوئة لسياسة الحكومة الإيرانية في سوريا. وتقول الشعارات لنجاد وحكومته: "دعكم من سوريا واهتموا بشأننا"، لكنَ القادة الإيرانيين لهم رأي آخر، إذ لا يخفون أهمية الموقع الجغرافي الإستراتيجي لسوريا بالنسبة لإيران.

وقد تكون تصريحات  نائب رئيس لجنة الأمن القومي في مجلس الشورى الإيراني أحمد رضا دستغيب مشخصة للحالة عندما شدد على "ارتباط المصالح الإيرانية بالجغرافيا السياسية لسوريا"، ورأى ضرورة "إطلاع الشعب الإيراني بصراحة على مدى أهميّة سوريا والنظام السوري بالنسبة لإيران"، بهدف حشد التأييد الشعبي لموقف الحكومة الإيرانية الداعم للأسد رغم الثورة المستمرة منذ أكثر من عام ونصف.

وتواصل إيران بلا شك أو تردد دعم نظام الأسد، لكنها مع ذلك تدرس خيارات تغيير الخارطة السياسية وما سيأتي بصورة لاحقة، ومن الواضح أن العالم سيختبر نوعا جديداً من "التكيف السياسي الإيراني".
المصدر: العصر

 


          Bookmark and Share      



خسائر إيران ومكاسبها في سوريا
 
الاسم:  
نص التعليق: 
      
 



الأكثر مشاهدة


 
اشتراك
انسحاب