6962381
 
 
الـــمـــــقـــــــــالات
   
شيعة اليوم سبئية الأمس
 

شيعة اليوم هم من يطلق عليهم لقب «الشيعة» في عصرنا، وهم الشيعة الإمامية الإثنى عشرية، ويدخل فيهم الإسماعيلية الباطنية، ولا يدخل فيهم الزيدية؛ لأنهم لم يأخذوا بمقالات الشيعة الغالية.

 

وإن كان لقب «الشيعة» مختصًّا في زماننا بالإثنى عشرية، بحيث إذا أطلق لقب «الشيعة» لا ينصرف إلا إليهم، في نظر جمع من الباحثين[1]، إلا أنهم يلقبون بألقاب أخرى تختلف باختلاف العصور والبلدان، فلهم - كما يقول الشهرستاني -: «دعوة في كل زمان، ومقالة جديدة بكل لسان»[2].

أما السبئية فلم يعد لها وجود في عصرنا، فقد توارت عن الأنظار، وباتت في نظر جمع من الباحثين في المقالات والفرق من الطوائف المنقرضة والفرق المندثرة.

لكن الحقيقة الغائبة لدى الكثيرين أن السبئية وإن انقرضت واندثرت باعتبارها علمًا على طائفة بعينها إلا أن عقائدها لم تنقرض ولم تندثر، وإنما بقيت عقائدها حية تنبض، حيث تبنت الشيعة الإثنى عشرية المعتقدات السبئية الغالية، وتلقفت آراءها، وورثت غلوها، فالإثنى عشرية في حقيقة الأمر هي السبئية، حتى يقال إن «السبئية» الاسم الأقدم، و«الإثنى عشرية» الاسم الأحدث لحقيقة واحدة.

ومما ينبغي أن يلحظ أن ربط التشيع بالسبئية هو في التشيع المتضمن لهذه الأصول الغالية، أما «التشيع المتوسط والذي مضمونه تفضيل علي رضي الله عنه وتقديمه على غيره ونحو ذلك، فلم يكن هذا من إحداث الزنادقة، بخلاف دعوى النص والعصمة فإن الذي ابتدع ذلك كان منافقًا زنديقًا»[3].

وعبدالله بن سبأ هو رأس الطائفة السبئية التي كانت تقول بألوهية علي رضي الله عنه، كما تقول برجعته، وتطعن في الصحابة، وأصله من اليمن وكان يهوديًّا يتظاهر بالإسلام، رحل لنشر فتنته إلى الحجاز فالبصرة فالكوفة، ودخل دمشق في أيام عثمان بن عفان رضي الله عنه فأخرجه أهلها، فانصرف إلى مصر وجهر ببدعته.

وقد تكاثر ذكر أخبار فتنته وشذوذه وسعيه في التآمر هو وطائفته في كتب الفرق والرجال والتاريخ وغيرها من مصادر السنة والشيعة جميعًا[4].

وأكد طائفة من الباحثين القدماء والمعاصرين أن ابن سبأ هو أساس المذهب الشيعي والحجر الأول في بنائه، فابن تيمية يرى أن ابن سبأ أول من أحدث القول بالعصمة لعلي رضي الله عنه، وبالنص عليه في الخلافة، وأنه أراد إفساد دين الإسلام، كما أفسد بولس دين النصارى[5]، وكذا ابن المرتضى[6]، ويرى أبو زهرة أن عبدالله بن سبأ هو الطاغوت الأكبر الذي كان على رأس الطوائف الناقمين على الإسلام الذين يكيدون لأهله، وأنه قال برجعة علي، وأنه وصي محمد صلى الله عليه وسلم، ودعا إلى ذلك، وذكر أبو زهرة أن فتنة ابن سبأ وزمرته كانت من أعظم الفتن التي نبت في ظلها المذهب الشيعي[7]، ويرى سعيد الأفغاني أن ابن سبأ أحد أبطال جمعية سرية (تلمودية) غايتها تقويض الدولة الإسلامية، وأنها تعمل لحساب دولة الروم[8].

وقد نبتت نابتة من شيعة العصر الحاضر تحاول أن تنكر وجوده بجرة قلم دون مبرر واقعي، أو دليل قاطع[9]، بل ادعى البعض منهم أن عبدالله بن سبأ هو عمار بن ياسر[10].

وهذه الدعوى هي محاولة أو حيلة لتبرئة يهود من التآمر على المسلمين، كما هي محاولة أو حيلة لإضفاء صفة الشرعية على شيعة اليوم، والرد على دعوى خصومهم برد أصل التشيع إلى أصل يهودي.

وقد اتفق القدماء من أهل السنة والشيعة على السواء على اعتبار ابن سبأ حقيقة واقعية، وشخصية تاريخية، فكيف ينفى ما أجمع عليه الفريقان؟! أما القول بأن ابن سبأ هو عمار بن ياسر فهو قول يرده العقل والنقل والتاريخ، وكيف تلصق تلك العقائد التي قال بها ابن سبأ بعمار بن ياسر رضي الله عنه، وهل هذا إلا جزء من التجني على الصحابة والطعن فيهم؟!

فماذا تقول كتب الشيعة عن ابن سبأ؟

الشيعي سعد بن عبدالله القمي شيخ الطائفة وفقيهها ووجهها، كما ينعته النجاشي[11] (المتوفى سنة 229-301هـ) يقر بوجود ابن سبأ، ويذكر أسماء بعض أصحابه الذين تآمروا معه، ويلقب فرقته بالسبئية، ويرى أنها أول فرقة في الإسلام قالت بالغلو، ويعتبر ابن سبأ «أول من أظهر الطعن على أبي بكر وعمر وعثمان والصحابة وتبرأ منهم، وادعى أن عليًّا – رضي الله عنه – أمره بذلك»، ويذكر القمي أن عليًّا بلغه ذلك فأمر بقتله ثم ترك ذلك واكتفى بنفيه إلى المدائن[12].

كما ينقل عن جماعة من أهل العلم - كما يصفهم -: «أن عبدالله بن سبأ كان يهوديًّا فأسلم، ووالى عليًّا، وكان يقول وهو على يهوديته في يوشع بن نون وصي موسى بهذه المقالة، فقال في إسلامه بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم في علي بمثل ذلك، وهو أول من شهر بالقول بفرض إمامة علي بن أبي طالب وأظهر البراءة من أعدائه وكفّرهم، فمن هاهنا قال من خالف الشيعة: إن أصل الرفض مأخوذ من اليهودية»[13]. ثم يذكر القمي موقف ابن سبأ حينما بلغه نعي علي رضي الله عنه حيث ادعى أنه لم يمت، وقال برجعته، وغلا فيه[14].

هذا ما يقوله القمي عن ابن سبأ، والقمي عند الشيعة ثقة واسع المعرفة بالأخبار[15]، ومعلوماته - عندهم - مهمة نظرًا لقدم فترتها الزمنية، ولأن سعدًا القمي كما روى شيخهم الملقب عندهم بالصدوق قد التقى إمامهم المعصوم - في نظرهم - الحسن العسكري وسمع منه[16]، ونجد شيخهم الآخر النوبختي يتحدث عن ابن سبأ ويتفق فيما يقوله عن ابن سبأ مع القمي حتى في الألفاظ نفسها[17]، والنوبختي ثقة معتمد عندهم[18]، وعالمهم الكشي[19] يروي ست روايات في ذكر ابن سبأ[20]، وذلك في كتابه المعروف برجال الكشي والذي هو من أقدم كتب الشيعة المعتمدة في علم الرجال، وتشير تلك الروايات إلى أن ابن سبأ ادعى النبوة وأنه زعم أن أمير المؤمنين هو الله - تعالى الله وتقدس - وأن عليًّا استتابه فلم يتب، فأحرقه بالنار، كما ينقل الكشي لعن الأئمة لعبدالله بن سبأ، وأنه كان يكذب على علي، كقول علي بن الحسين: «لعن الله من كذب علينا إني ذكرت عبدالله بن سبأ فقامت كل شعرة في جسدي، لقد ادعى أمرًا عظيمًا، ما له لعنه الله، كان علي رضي الله عنه والله عبدًا لله صالحًا، أخو رسول الله ما نال الكرامة من الله إلا بطاعته»[21].

ثم قال الكشي بعد ذكر تلك الروايات: «ذكر أهل العلم أن عبدالله بن سبأ كان يهوديًّا فأسلم ووالى عليًّا، وكان يقول وهو على يهوديته في يوشع بن نون وصي موسى بالغلو، فقال في إسلامه بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم في علي رضي الله عنه مثل ذلك، وكان أول من شهد بالقول بفرض إمامة علي وأظهر البراءة من أعدائه، وكاشف مخالفيه وكفرّهم، فمن هاهنا قال من خالف الشيعة: أصل التشيع والرفض مأخوذ من اليهودية»[22].

هذه مقالة الكشي وهي تتفق مع كلام القمي والنوبختي وكلهم يوثقون قولهم هذا بنسبته إلى أهل العلم، ثم إن هذه الروايات الست كلها جاءت في رجال الكشي، والذي يعتبرونه أحد الأصول الأربعة التي عليها المعول في تراجم الرجال، وقام الطوسي شيخ الطائفة عندهم بتهذيب الكتاب، فصار عندهم أكثر ثقة وتحقيقًا حيث اجتمع في تأليفه الكشي الذي هو عندهم ثقة، بصير بالأخبار وبالرجال مع الطوسي وهو صاحب كتابين من صحاحهم الأربعة، ومؤلف كتابين من كتبهم الأربعة المعول عليها في علم الرجال عندهم، وما نقلناه عن الكشي هو من تهذيب الطوسي واختياره؛ لأن الأصل - كما يقولون - مفقود لا يعرف له أثر[23].

ثم إن كثيرًا من كتب الرجال الأخرى عندهم جاءت على ذكر ابن سبأ[24]، كما جاء ذكر ابن سبأ في أهم وأوسع كتبهم الرجالية المعاصرة وهو «تنقيح المقال»[25] لشيخهم عبدالله الممقاني[26] (ت 1351ه‍).

ولهذا يلحظ أن ثمت اتجاهًا أخيرًا لدى بعض شيوخ الشيعة المعاصرين إلى العدول عن إنكاره، يقول - مثلًا - محمد حسين الزين: «وعلى كل حال فإن الرجل - أي: ابن سبأ - كان في عالم الوجود، وأظهر الغلو، وإن شك بعضهم في وجوده وجعله شخصًا خياليًّا، أما نحن - بحسب الاستقراء الأخير - فلا نشك بوجوده وغلوه»[27].

وهكذا تعترف كتب الشيعة أن ابن سبأ هو أول من قال بالوصية لعلي، ورجعته، والطعن في الخلفاء الثلاثة والصحابة، وهي آراء وعقائد أصبحت فيما بعد من أسس المذهب الشيعي، وذلك حينما صيغت هذه الآراء وغيرها على شكل روايات وأحاديث ونسبت لآل البيت زورًا وبهتانًا وجدت القبول لدى كثير من العوام وغيرهم، ولا سيما العجم.

وأخطر العقائد التي ورثها شيعة اليوم عن سبئية الأمس  تأليه علي رضي الله عنه ووصفه بأوصاف لا يوصف بها إلا رب العالمين. تقول روايتهم: «عن سماعة بن مهران قال: كنت عند أبي عبدالله - عليه السلام - فأرعدت السماء وأبرقت، فقال أبو عبدالله - عليه السلام -: أما إنه ما كان من هذا الرعد ومن هذا البرق فإنه من أمر صاحبكم، قلت: من صاحبنا؟ قال: أمير المؤمنين - عليه السلام -»[28]. يعني كل ما وقع من رعد وبرق فهو من أمر علي، لا من أمر الواحد القهار.

فماذا يستنبط المسلم المنصف من هذه الرواية، والله جل شأنه يقول: {هُوَ الَّذِي يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا وَيُنشِئُ السَّحَابَ الثِّقَالَ} [الرعد: 12]؟ أليست هذه هي السبئية قد أطلت برأسها المشوه من خلال كتب الإثنى عشرية؟ أليس هذا ادعاء لربوبية علي رضي الله عنه، أو أن له شركًا في الربوبية؟

جاء في بعض روايات كتاب «سليم بن قيس» مخاطبة علي بهذه الألقاب: «يا أول، يا آخر، يا ظاهر، يا باطن، يا من هو بكل شيء عليم»، ويقول: «إن هذا الوصف صدر من الشمس لعلي وأنه سمعه أبو بكر وعمر والمهاجرون والأنصار فصعقوا ثم أفاقوا بعد ساعات»[29]، وهذه الأوصاف هي آثار السبئية التي تؤله عليًّا، والتي ورثتها الإثنى عشرية، وأبقت عقائدها في مصادرها، ونسبتها لآل البيت، فأزرت على الآل بهذا وأمثاله، وهي تدعي التشيع لهم، وهذه أوصاف لرب العالمين، قال تعالى: {هُوَ الأَوَّلُ وَالآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} [الحديد: ٣].

وهذه العقائد السبئية التي تذهب إلى القول بألوهية علي رضي الله عنه، وهذا الأثر السام لا يزال ينخر في كيان الإثنى عشرية، ولا يزال إلى اليوم بعض شيوخ هذه الطائفة يصرح ويجاهر بهذه المقالة، فهذا أحد شيوخهم ويدعى عبدالحسين العاملي (أحد آياتهم التي ينسبونها - زورًا - إلى الله سبحانه)، يقول هذا العاملي في مدح أمير المؤمنين علي - برأه الله مما يفترون -:

أبا حسن أنت عين الإله

وعنوان قدرته السامية

وأنت المحيط يعلم الغيوب

فهل عندك تعزب من خافية

أنت مدير رحى الكائنات

وعلة إيجادها الباقية

لك الأمر إن شئت تنجي غدًا

وإن شئت تسفع بالناصية[30]

انظر كيف جعل مخلوقًا من مخلوقات الله هو الإله بعينه، والمتصف بما للرب من تدبير وإحياء وإماتة، فهو مدبر أمر الكائنات وعلة إيجادها ومظهر القدرة الإلهية، وهو المحيط بعلم الغيب، بل هو مالك يوم الدين، إذ له الأمر في ذلك اليوم، ونجاة العباد، وهلاكهم بمشيئته؟![31].

وقد صنف شيخ الإسلام ابن تيمية الشيعة إلى ثلاث درجات، شرها الغالية، وهم الذين يجعلون لعلي شيئًا من الألوهية، أو يصفونه بالنبوة[32].

كما تلقفت الشيعة الإثنى عشرية من السبئية اعتقاد أن الله سبحانه قد اختص أئمتهم الاثني عشر بعلم القرآن كله، وأنهم اختصوا بتأويله، وأن من طلب علم القرآن من غيرهم فقد ضل.

وتذكر بعض مصادر أهل السنة أن بداية هذه المقالة، وجذورها الأولى ترجع لابن سبأ فهو القائل بأن «القرآن جزء من تسعة أجزاء، وعلمه عند علي»[33]، وهي مقالة مجملة لم يفصح فيها عن مراده، وقد يوضحها ما جاء في رسالة الحسن بن محمد بن الحنفية (ت95هـ‍) وهو قوله: «ومن خصومه هذه السبئية التي أدركنا يقولوا (كذا) هدينا لوحي ضل عنه الناس وعلم خفي، ويزعمون أن نبي الله صلى الله عليه وسلم كتم تسعة أعشار القرآن، ولو كان نبي الله كاتمًا شيئًا مما أنزل الله لكتم شأن امرأة زيد {وَإذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ} [الأحزاب: 37]»[34].

وفي كتاب «أحوال الرجال» أن عبدالله بن سبأ زعم أن القرآن جزء من تسعة أجزاء وعلمه عند علي رضي الله عنه[35].

وقد استفاض ذكر هذه المقالة في كتب الإثنى عشرية بألوان الأخبار وصنوف الروايات، فجاء في أصول الكافي في خبر طويل عن أبي عبدالله قال: «إن الناس يكفيهم القرآن ولو وجدوا له مفسرًا، وإن رسول الله - صلى الله عليه وآله - فسره لرجل واحد، وفسر للأمة شأن ذلك الرجل وهو علي بن أبي طالب»[36]، وجاء في طائفة من مصادر الشيعة المعتمدة لديهم أن رسول الله - صلى الله عليه وآله - قال: «إن الله أنزل عليَّ القرآن وهو الذي من خالفه ضل، ومن يبتغي علمه عند غير عليٍّ هلك»[37]، وفي تفسير فرات: «... إنما على الناس أن يقرأوا القرآن كما أنزل، فإذا احتاجوا إلى تفسيره فالاهتداء بنا وإلينا»[38].

ومن العجب أنهم بدعواهم أن علم القرآن عند الأئمة نسبوا إلى الأئمة علم كل شيء، فيقول أبو عبدالله - كما يزعمون -: «إني لأعلم ما في السموات وأعلم ما في الأرضين، وأعلم ما في الجنة، وأعلم ما في النار، وأعلم ما كان وما يكون، ثم مكث هنيئة فرأى أن ذلك كبر على من سمعه منه، فقال: علمت ذلك من كتاب الله، إن الله يقول: فيه تبيان كل شيء»[39].

لاحظ أن هذا النص الذي يزعم صاحبه - ونبرئ جعفرًا منه، فإمامته ودينه ينفيان ذلك عنه - العلم بكل شيء الذي هو من خصائص الله جل وعلا يجهل أقرب الأشياء لديه وهو القرآن، حيث إن القرآن ليس فيه «تبيان كل شيء» وإنما هذا تحريف لقول تعالى: {تِبْيَانًا لِّكُلِّ شَيْءٍ} [النحل: 89] وهو يزعم أن هذه آية من القرآن، ففضحه الله بذلك، وهذا برهان أن هذه النصوص من وضع ملحد اندسَّ في صفوف المسلمين للكيد للإسلام وأهله.

وكتب الشيعة تقول: ليست من وظيفة الرسول صلى الله عليه وسلم بيان القرآن للناس، وإنما مهمته بيان «شأن ذلك الرجل وهو علي بن أبي طالب» أما بيان القرآن للناس وتفسيره فهو رسالة علي لا محمد صلى الله عليه وسلم - كما مر -[40].

وقد وجد لهذه المقالة أصل في حياة أمير المؤمنين، وأظهرت السبئية القول بأن عند علي رضي الله عنه غير ما عند الناس، فنفى أمير المؤمنين ذلك نفيًا قاطعًا، وقال: «والذي فلق الحبة وبرأ النسمة ما عندنا إلا ما في القرآن إلا فهمًا يعطى رجل في كتابه...»[41].

وكذلك ورثت الإثنى عشرية التأويل الباطني من السبئية؛ لأن ابن سبأ هو الذي حاول أن يجد لقوله بالرجعة مستندًا من كتاب الله بالتأويل الباطل، وذلك حينما قال: العجب ممن يزعم أن عيسى يرجع ويكذب بأن محمدًا يرجع، وقد قال الله عز وجل: {إنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرَادُّكَ إلَى مَعَادٍ} [القصص: ٥٨][42].

ويرى بعض الباحثين[43] أن أول كتاب وضع الأساس لهذا اللون من التأويل الباطني هو تفسير القرآن الذي وضعه في القرن الثاني للهجرة «جابر الجعفي»[44]، قال ابن حبان: «كان سبئيًّا من أصحاب عبدالله بن سبأ»[45].

ومن أمثلة ذلك أنهم يؤولون الإله في كتاب الله بالإمام، فقوله تعالى: {لا تَتَّخِذُوا إلَهَيْنِ اثْنَيْنِ إنَّمَا هُوَ إلَهٌ وَاحِدٌ} [النحل: 51]، قال أبو عبدالله - كما يزعمون -: «يعني بذلك لا تتخذوا إمامين إنما هو إمام واحد»[46]، والرب هو الإمام عندهم، ولا يرد على بالك القول بأن للرب في اللغة استعمالات أخرى كرب البيت، ورب المال بمعنى صاحب، ولكن يمنع من ذلك أن تأويلهم للرب بالإمام جرى في آيات هي نص في الله سبحانه ولا تحتمل وجهًا آخر كما نرى في الشواهد المذكورة، وفي قوله سبحانه عن المشركين: {وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ مَا لا يَنفَعُهُمْ وَلا يَضُرُّهُمْ وَكَانَ الْكَافِرُ عَلَى رَبِّهِ ظَهِيرًا} [الفرقان: ٥٥] قال القمي في تفسيره: «الكافر: الثاني (يعني عمر رضي الله عنه وأرضاه) كان على أمير المؤمنين - عليه السلام - ظهيرًا»[47]. فاعتبر أمير المؤمنين عليًّا رضي الله عنه هو الرب.

وقال الكاشاني في «البصائر»[48] عن الباقر - عليه السلام - أنه سئل عن تفسيرها فقال - كما يفترون -: «إن تفسيرها في بطن القرآن: عليّ هو ربه في الولاية، والرب هو الخالق الذي لا يوصف»[49]، فهذا قد يفهم منه أن عليًّا هو الرب الذي لا يوصف - كما يفترون -؛ لأن الآية نص في حق الباري سبحانه؟!

وقد حاول صاحب تفسير «الصافي» تفادي هذا الأمر فقال في توضيح النص السالف: «يعني أن الرب على الإطلاق الغير المقيد بالولاية هو الخالق جل شأنه»[50]. ولكن نص الآية لا يؤيده فيما ذهب إليه؛ إذ إن «الرب» الوارد في الآية لم يقيد بالولاية، فهو لا ينصرف إلا إلى الحق جل شأنه، وليس هناك أية قرينة صارفة للفظ عن معناه؛ ولهذا قال طائفة من السلف في تفسيرها: «وكان الكافر معينًا للشيطان على ربه، مظاهرًا له على معصيته»[51].

ومن أصول الشيعة التي سارت فيها على خطى السبئية «أنه لا يجوز للرعية اختيار إمام، بل لابد فيه من النص»[52]، «فالإمامة لا تكون إلا بالنص»[53]، وأن الرسول صلى الله عليه وسلم نص على علي رضي الله عنه وأولاده[54]، فهم الأئمة إلى أن تقوم الساعة، وهذه المقالة هي من أصول دين السبئية، فإن السبئية - كما يقول القمي، والنوبختي، والشهرستاني وغيرهم - أول فرقة قالت بفرض إمامة علي بن أبي طالب[55].

كما أن السبئية أول فرقة قالت بالوقف على علي رضي الله عنه[56] وغيبته[57]، حيث زعمت «أن عليًّا لم يقتل ولم يمت، ولا يقتل ولا يموت حتى يسوق العرب بعصاه، ويملأ الأرض عدلًا وقسطًا كما ملئت ظلمًا وجورًا»[58]، وقد أصبحت عقيدة الغيبة والمهدية من أركان المذهب الشيعي التي يقوم عليها[59].

ومن عقائد السبئية القول بالرجعة، إذ لما بلغ عبدَالله بن سبأ نعيُ علي رضي الله عنه بالمدائن قال للذي نعاه: «كذبت، لو جئتنا بدماغه في سبعين صرة، وأقمت على قتله سبعين عدلًا لعلمنا أنه لم يمت ولم يقتل، ولا يموت حتى يملك الأرض»[60]، وظلت تنتظر عودته من غيبته.

وكانت عقيدة الرجعة خاصة برجعة الإمام عند السبئية، والكيسانية وغيرها، ولكنها صارت عند الإثنى عشرية رجعة كثير من الأموات إلى الدنيا قبل يوم القيامة[61]، وعودتهم إلى الحياة بعد الموت[62]، والراجعون إلى الدنيا - كما يعتقدون -: «فريقان: أحدهما: من علت درجته في الإيمان.. والآخر من بلغ الغاية في الفساد»[63].

ويشير الألوسي إلى أن تحول مفهوم الرجعة عند الشيعة من رجعة الإمام فقط إلى ذلك المعنى العام كان في القرن الثالث[64].

ولذلك عدّ أهل العلم القول بالرجعة إلى الدنيا بعد الموت من أشد مراحل الغلو في بدعة التشيع. قال ابن حجر: «التشيع محبة علي وتقديمه على الصحابة، فمن قدمه على أبي بكر وعمر فهو غالٍ في تشيعه ويطلق عليه رافضي، وإلا فشيعي، فإن انضاف إلى ذلك السب أو التصريح بالبغض فغالٍ في الرفض، وإن اعتقد الرجعة إلى الدنيا فأشد في الغلو»[65].

والشيعة الإمامية جعلت نسبة البداء إلى الله من أصول عقائدها وقالت: «ما عبد الله بشيء مثل البداء»[66]، «وما بعث الله نبيًّا قط إلا بتحريم الخمر وأن يقر لله بالبداء»[67]، «ولو علم الناس ما في القول بالبداء من الأجر ما فتروا عن الكلام فيه»[68].

وفي صحيحهم «الكافي» باب في هذا بعنوان «باب البداء» وقد جاء ضمن كتاب التوحيد! وأورد في هذا الباب 16 حديثًا من أحاديثهم كلها في البداء[69].

وفي «البحار» للمجلسي ذكر أحاديث البداء في باب بعنوان: «البداء والنسخ» وذكر فيه 70 حديثًا[70].

وقد تلقفت الشيعة الإثنى عشرية هذه العقيدة من السبئية الذين «يقولون بالبداء؛ إن الله تبدو له البداوات»[71]. فالبداء فرية يهودية، حاولت السبئية أن تدخلها في عقائد المسلمين.

والبداء في اللغة له معنيان:

الأول: الظهور والانكشاف.

الثاني: نشأة الرأي الجديد[72].

والبداء بهذين المعنيين لا تجوز نسبته إلى الله.

وشهدت كتب الشيعة بأن ابن سبأ وجماعته هم أول من أظهر الطعن في أبي بكر وعمر وعثمان أصهار رسول الله صلى الله عليه وسلم وأرحامه وخلفائه وأقرب الناس إليه والطعن في الصحابة الآخرين، وقررت أن ابن سبأ «كان أوّل من أظهر البراءة من أعدائه، وكاشف مخالفيه وكفّرهم»[73].

وقد صارت هذه البراءة والتكفير لجميع الصحابة من أصول دين الشيعة الإثنى عشرية، فدواوين الشيعة مليئة باللعن والتكفير لمن رضي الله عنهم ورضوا عنه، من المهاجرين والأنصار، وأهل بدر، وبيعة الرضوان، وسائر الصحابة أجمعين، ولا تستثني منهم إلا النزر اليسير الذي لا يبلغ عدد أصابع اليد، وأصبحت هذه المسألة بعد ظهور كتبهم وانتشارها من الأمور التي لا تحجب بالتقية.

روى ثقتهم الكليني في الكافي: «عن حمران بن أعين قال: قلت لأبي جعفر - عليه السّلام -: جعلت فداك، ما أقلنا لو اجتمعنا على شاة ما أفنيناها؟ فقال: ألا أحدّثك بأعجب من ذلك، المهاجرون والأنصار ذهبوا إلا - وأشار بيده - ثلاثة»[74].

علّق هنا شيخهم المعاصر علي أكبر الغفاري فقال: «يعني أشار - عليه السّلام - بثلاث من أصابع يده، والمراد بالثّلاثة: سلمان وأبو ذر والمقداد»[75].

جاء في رجال الكشي: «كان الناس أهل الردة بعد النبي صلى الله عليه وسلم إلا ثلاثة، فقلت: ومن الثلاثة؟ فقال: المقداد بن الأسود، وأبو ذر الغفاري، وسلمان الفارسي، ثم عرف الناس بعد يسير، وقال: هؤلاء الذين دارت عليهم الرحا وأبوا أن يبايعوا لأبي بكر حتى جاؤوا بأمير المؤمنين مكرهًا فبايع»[76].

إن هذه هي السبئية خرجت لنا اليوم متلفعة برداء الإثنى عشرية، وما كنا نظن أن للسبئية وجودًا حتى نظرنا في كتب الروافض، فوجدنا أفكار ابن سبأ قد خلدت في دواوين الإثنى عشرية المعتمدة، فأبقت الإثنى عشرية عقائد السبئية الغالية حية من خلال هذه الدواوين، وحفظت عقائد السبئية من الانقراض والاندثار بفضل هذه الروايات.

فالحقيقة الغائبة على الكثير أن الشيعة هي الاسم الأقدم والإثنى عشرية هي الاسم الأحدث لحقيقة واحدة هي السبئية، وإنما غابت هذه الحقيقة بسبب تسمي هذه الطائفة باسم «الشيعة» وهم ليسوا في حقيقة الأمر بشيعة، كما سيأتي بيانه - إن شاء الله - في دراسة قادمة بعنوان «شيعة اليوم ليسوا بشيعة».

 

أ.د. ناصر بن عبد الله القفاري


 


          Bookmark and Share      



شيعة اليوم سبئية الأمس
 
الاسم:  
نص التعليق: 
      
 



الأكثر مشاهدة


 
اشتراك
انسحاب