7003253
 
 
الـــمـــــقـــــــــالات
   
إيران والشيوعيون .. زواج المتعة والمصالح
 

 إيران والشيوعيون .. زواج المتعة والمصالح

الكاتب: أسامة الهتيمي –مصري

المصدر: الراصد

ربما يتصور البعض أن الحديث عن وجود علاقة بين الدولة الإيرانية الفارسية من جهة واليسار العربي من جهة أخرى هو حديث تحيطه الافتراءات والأكاذيب ولا علاقة له بالواقع إذ من المؤكد ووفق اعتقاد هؤلاء أن الغرض من ترديده ليس إلا محاولة لتشويه صورة الدولة الإيرانية التي ترفع شعارات إسلامية تتناقض جملة وتفصيلا بطبيعة الحال مع ما ينادي به ويدعو إليه اليسار بشكل عام واليسار العربي بشكل خاص، وهو التناقض الذي يصل إلى الدرجة التي تجعل من الطرفين عدوين لدودين لا يمكن التوفيق بينهما أبدا.

 

ويستمد هؤلاء تصورهم من إدراكهم للتباين الشديد لموقف كلا الطرفين من الدين، فاليسار -وبعيدا عن الإشكاليات الجدلية- ينظرون للدين نظرة ازدراء ورفض حيث يعتبرونه في العموم أحد أهم الأدوات التي تستخدمها السلطة باستمرار لممارسة الاستبداد كونه – أي الدين - هو أفيون الشعوب، في حين أن الدين كان ولم يزل لدى القائمين على الدولة الإيرانية هو الستارة الأفضل التي يتلاعبون من خلفها لتحقيق المزيد من التطلعات المذهبية والعنصرية، فما الذي يمكن أن يجمع بين هؤلاء الفرقاء؟

 

الخميني والاتحاد السوفيتي

 

العلاقة بين الثورة الإيرانية بقيادة الخميني بالاتحاد السوفيتي تعود إلى ما قبل انتصار هذه الثورة عام 1979، إذ كانت تربط الخميني بالسوفييت علاقة قوية لأقصى درجة، الأمر الذي انسحب أيضا على علاقة الخميني بكل حلفاء الاتحاد السوفيتي سواء في المنطقة العربية أو خارجها، فالخميني -وكما هو معلوم- كان يخطط للإطاحة بالشاه الذي هو أحد أهم حلفاء الولايات المتحدة الأمريكية في المنطقة ومن ثم فإنه وفي إطار الصراع بين القطبين العالميين كان يجب أن يحظى بدعم الاتحاد السوفيتي في مواجهة الولايات المتحدة.

 

وكان لهذا الموقف السوفيتي من الخميني ودعوته أثر كبير في علاقة الشيوعيين الإيرانيين في دعم الثورة الخمينية، بغضّ النظر عن طبيعة الشعارات الخمينية التي كانت إسلامية بحتة آنذاك، فنجد أن حزب تودة الشيوعي الذي يعود تأسيسه لعام 1945 ساهم وبشكل فعال في دعم ثورة الخميني، حتى أن مصادر عديدة أشارت إلى أن أعضاءه قد شاركوا أيضا في احتلال السفارة الأمريكية بطهران إبان هذه الثورة، فضلا عن الدعم الذي تلقته الثورة من تنظيمات أخرى تحسب على اليسار ومنها "فدائيو خلق" الماركسية و"مجاهدو خلق" وهي منظمة إسلامية شيعية يسارية.

 

بل وتلقى الخميني وثورته دعما ماليا عبر حلفاء الاتحاد السوفيتي في ذلك الوقت، فقد تولت كل من ليبيا وكوريا الشمالية الدعم المالي والتقني لتهيئة الكوادر على أرض لبنان، حيث بلغ الدعم نحو 100 مليون دولار، فيما تشير بعض المصادر إلى أن الكوادر الإيرانية التابعة للخميني تلقت تدريباتها على يد الأنظمة والتنظيمات الماركسية في ليبيا وسوريا واليمن الجنوبي والعراق بل والتدريب أيضا على أيدي المنظمات الفلسطينية والألوية الحمراء الإيطالية والجيش الأحمر الياباني فيما تلقت دعما ماليا وعسكريا من المنظمات الفلسطينية الاشتراكية.

 

 

ومن العجب أن العلاقة بين الخميني وصدام حسين الذي كان منحازا للمعسكر الشرقي كانت جيدة إلى درجة كبيرة للغاية على الرغم من أن العلاقة بين صدام حسين والشيعة كانت متوترة بل وسيئة، حيث قدِم الخميني للعراق في عام 65 وغادرها عام 78 بينما الشيعة العراقيون كانوا في حالة اصطدام مع حزب البعث الحاكم بعد استيلائه على السلطة عام 1963م.

 

ولعل ما يثبت صحة هذا الموقف السوفيتي من ثورة الخميني أنه وبعد قيام الثورة قدم الروس الدعم الاقتصادي لها وذلك عبر توقيع بروتوكول لتنشيط الاقتصاد شمل قطاع الطاقة والكهرباء والسدود والأسلحة والخبراء الفنيين عام 1982، على الرغم من مقاطعة العالم الإسلامي كله للاتحاد السوفيتي آنذاك بعد أن قام السوفييت باحتلال أفغانستان.

 

والحقيقة أن هذه العلاقة بين الخميني والسوفييت لم تكن خافية على من شاركوا الخميني في الثورة وأحداثها منذ البداية، فقد أشار إلى ذلك الدكتور موسى الموسوي الإيراني المعاصر للخميني والذي كانت له علاقة جيدة معه حيث ذكر في كتابه "الثورة البائسة" تعاون الخميني مع حزب توده الشيوعي لافتا بصراحة ووضوح إلى شيوعية الثورة الخمينية، بل وكان من ضمن ما قاله في كتابه: "لا أجد صعوبة في رمي الخميني بالشيوعية مع ما عليه من الطيلسان والعمة والرداء"، فالأمور الشكلية ووفق الدكتور الموسوي لم تكن حاجزا له لكي يوصف الخميني التوصيف الأدق وهو نفس ما ذهب إليه أيضا الشيعي علي الكوراني الذي قال "الخميني حمار امتطاه الشيوعيون"!

 

وكانت تلك العلاقة وهذا التقارب فيما بين ما طرحته الشيوعية وبين ما كان يسعى لتحقيقه الخميني ملفتا النظر، إلى الدرجة التي دفعت أحد الباحثين الفرنسيين وهو أوليفه روا إلى أن يقول في كتابه "تجربة الإسلام السياسي" عن التشيع المعاصر وتحولاته إنه: "يتحول في القرن العشرين إلى أداة للاستيلاء على السلطة وعندئذ انبثقت على هوامش المذهب تركيبة توفيقية بين السلفية التقليدية والأيديولوجية المتمركسة"!

 

وتربط بعض المصادر التاريخية بين هذه العلاقة القوية بين الخميني والماركسيين ومقتل محمد باقر الصدر الذي كان له دور كبير في محاربة الشيوعية وأفكارها، وقد كان له في ذلك عدد من الكتب الهامة من بينها (اقتصادنا) الذي فند خلاله النظرية الماركسية الاقتصادية ومن ثم فقد كان يحظى بدعم شاه إيران، إلا أن الموقف تغير تماما بعد أن تولى رجال الخميني سدة الحكم في إيران وأصبح هو مرشدا أعلى للثورة، إذ يرون أن الخميني تخلص من الصدر بحيلة ذكية بعد أن قام بدعوته علنا في الإذاعة الإيرانية- القسم العربي بالبقاء في النجف وقلب نظام الحكم  في الوقت الذي كان يعرف مدى قوة وسطوة صدام حسين فتجاهلها، غير أن المظاهرات اندلعت تأييداً للصدر ثم ألقت السلطات العراقية القبض عليه ووضعته في الإقامة الجبرية حتى زال الحماس له فقتلته في إبريل عام 80.

 

كما يرى الكثير من الباحثين أن الأمر لم ينحصر في علاقة توافقية فيما بين الخميني والاتحاد السوفيتي بيساريته على المستوى السياسي فحسب، وإنما كانت ثمة توافقات فكرية فيما بين الطرفين أيضا مشيرين إلى أن عددا ممن يطلق عليهم "آيات الله" في إيران قد تتلمذوا على كتابات ماركس وفيورباخ وأن قراءتهم لهذه الكتابات لم تكن من باب النقد للنظرية الماركسية كما قد يخيل للبعض، فيما عبّرت مجلة الوطن العربي في أحد أعدادها عن توجه قيادات الثورة الإيرانية المتمثلة "بالآيات" إلى الخط اليساري وذلك من خلال تحقيق أجرته من طهران حول مواقف وآراء القوى السياسية الإسلامية والماركسية تحت عنوان: "إيران بين المطرقة والهلال"، ومدللين على ذلك بأن الدستور الإسلامي لإيران نص على أصول شيوعية منها "التأميم" حيث نصت المادة 44 على تأميم الصناعات الكبرى والصناعات الأم والتجارة الخارجية والمناجم الكبيرة والعمل المصرفي والتأمين والطاقة والسدود!!

 

ما بعد الثورة

 

من الطبيعي أن نجد محاولات كثيرة تسعى إلى نفي العلاقة بين قائد الثورة الخمينية والاتحاد السوفيتي استنادا إلى ذلك التوصيف الذي وصف به الخميني الاتحاد السوفيتي الذي اعتبره الشيطان الأصغر في مقابل اعتباره الولايات المتحدة الأمريكية هي الشيطان الأكبر، بالإضافة إلى اقتحام الثوار أيضا لمقر السفارة السوفيتية في طهران ومن ثم وترتيبا على ذلك فمثل هذه الحديث ليس إلا للنيل من الخميني وثورته من قبل أعدائه.

 

وللموضوعية فإن طرح هؤلاء ربما يتسم بشيء من المنطق والعقلانية، غير أن واقع العلاقة بين الخميني ورجاله وما تلقاه من دعم قبل الثورة ثم ما كان من تطور لهذه العلاقة بين الطرفين في مرحلة ما بعد الثورة يؤكد أن ما يستند إليه هؤلاء لا يرقى لنفي هذه العلاقة، وأن الأمر ربما جاء في سياق يقصد من ورائه الإيعاز بأنه لا علاقة بين الطرفين على غير الحقيقية حتى لا يساء إلى الخميني وثورته التي يفترض أنها ترفع شعارات إسلامية فلا يتم الربط بينه وبين الاتحاد السوفيتي الشيوعي.

 

لكن الواقع الإيراني يخبرنا بأن العلاقة بين ثورة الخميني والاتحاد السوفيتي تواصلت حتى سقط الاتحاد السوفيتي نفسه في بداية التسعينيات من القرن الميلادي الماضي، لتحل روسيا محل الاتحاد السوفيتي وتظل علاقتها بإيران التي تعتبرها موسكو أحد أهم حلفائها في المنطقة.

 

 

وكان من أهم مظاهر ذلك هو الدعم العسكري الروسي لإيران في حربها مع العراق والتي امتدت لنحو 8 سنوات، بل وأجرت إيران مع الاتحاد السوفيتي محادثات لعقد معاهدة دفاع مشترك عام 1987م، فيما امتد هذه التعاون بين الطرفين إلى أعلى مستوى من التعاون والمتعلق بالمفاعلات النووية.

 

ولم ينحصر الأمر كذلك على روسيا التي تعد إيران بالنسبة لها الشريك الثالث عسكرياً، وإنما امتد أيضا لبعض البلدان التي كانت محسوبة على المعسكر الشرقي حيث التعاون مع الصين وكوريا الشمالية، في حين ساهمت روسيا بجهد كبير في ضم إيران إلى العديد من المنظمات التي تقودها ومن بينها منظمة شنجهاي التي تضم روسيا والصين وكازاخستان وقرغيزيا وطاجكستان وأوزبكستان، وقمة الدول المشاطئة لبحر قزوين والتي تضم خمس دول هي روسيا وإيران وأذربيجان وكازاخستان وتركمانستان.

 

وعلى المستوى السياسي يعلم الجميع الموقف الروسي الداعم والمؤيد دائما لإيران والذي كان يتحايل على الحصار المفترض على إيران من قبل المجتمع الدولي نتيجة استمرارها في استكمال برنامجها النووي، حتى أن روسيا كانت أول من فتح الطريق أمام إيران لتسلم أسلحة متطورة بُعيد اتفاقها مع مجموعة دول 5 + 1 حيث أعلن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين عن تسليم نظام الصواريخ المضادة للطائرات المتطور إلى إيران.

 

كذلك اتخذت روسيا نفس موقف طهران من الأزمة السورية، على خلاف موقف أغلب بلدان المنطقة التي رأت ضرورة إسقاط الرئيس السوري بشار الأسد، لكننا في المقابل رأينا كيف أن موسكو قدمت الدعم العسكري والمالي واللوجستي لبشار الأسد وكيف أنها تحالفت مع إيران من أجل الدفاع عنه وبقائه في الحكم إلى الحد الذي قامت معه كل من موسكو وطهران بإرسال عشرات الآلاف من الجنود للقتال جنبا إلى جنب مع قوات الأسد ضد فصائل المعارضة السورية، الأمر الذي كان بمثابة قبلة حياة للأسد بل ودفع بالبعض إلى القبول بالمقترح الإيراني بأهمية الحل السياسي للأزمة والذي يعلم الجميع أنه في الحقيقة إنقاذ لحليفها الأسد.

 

إيران والشيوعيون

 

أيضا من الطبيعي أن يحاول البعض تبرير العلاقات الخمينية السوفيتية أو الخمينية الروسية كذلك أنها علاقات سياسية تفرضها مصالح الدول، غير أن هذا المبررات لا يمكن الأخذ بها لفهم العلاقات بين إيران والشيوعيين العرب الذين أبدوا انحيازا كاملا للدولة الإيرانية، فنجدهم في حالة دفاع مستمر عن طهران وسياساتها غاضين الطرف عن الفروقات الأيدلوجية والسياسات التي تتعارض مع ما ينادي به الشيوعيون! الذين طالما تحدثوا عن ثوريتهم وانحيازهم لخيارات الشعوب في الوقت الذي وقفت فيه إيران وبكل قوتها ضد ثورات الشعب العربي!

 

ووصل الأمر باليسار العربي إلى أن يتجاهلوا الثورة السورية التي ضمت في صفوفها أطيافا سياسية متعددة، متبنين تلك الفزاعة التي رددتها إيران والنظام الأسدي حول أن بديل النظام هو مجموعة من القتلة والإرهابيين، متجاهلين تلك المذابح البشعة التي ارتكبها ولم يزل بشار الأسد بمساعدة الدولة الإيرانية بحق السوريين والتي ما زالت إحداها متواصلة لعشرة أيام حتى لحظة كتابة هذا السطر وهي مذبحة حلب في 4/2016.

 

كما دعم اليسار العربي الموقف الإيراني من الأزمة اليمنية، حيث انحازوا لإيران في موقفها من المتمردين الحوثيين الذين تحالفوا مع الرئيس اليمني المستبد علي عبد الله صالح فكانوا بذلك ضد ثورة الشعب اليمني الذي أراد أن يطيح بصالح وذلك ليس إلا لإرضاء الدولة الإيرانية التي هي حليف لروسيا.

 

كذلك لم يفتأ يصدر الشيوعيون العرب بين الحين والآخر تصريحات تعرب عن إشادتهم بالسياسات الإيرانية، فمثلا يشيد أمين عام حزب البعث العربي التقدمي في الأردن فؤاد دبور بالدور الإيراني الملعوب بالشرق الأوسط قائلا: إن إيران ليست بعيدة عن مصالحها لكنها ترى مصالحها مع مصالح حلفائها من العرب، فيما أوفد الحزب أمينه العام المساعد أحمد ضرغام لطهران للاتفاق على ملفات متعددة، كما اعتبر الأمين العام للحزب الشيوعي اللبناني الدكتور خالد حدادة أن طهران لعبت دورا مركزيا في الشرق الأوسط، واصفاً إياها بالخط الأول في مواجهة الصهيونية والإمبريالية.

 

وقد أصدرت ما تسمى حركة الشيوعيين العرب والعلاقات مع إيران في 24 أغسطس 2013 بيانا تؤكد فيه تأييدها لدفاع إيران عن مصالحها وعن أراضيها وعن شعوبها من أي اعتداءات خارجية أو من أي محاولات تعمل على التدخل في شؤونها الداخلية، وأنه من أجل ذلك تقف إلى جانب إيران في قضايا إنشاء مفاعلات نووية ذات استخدامات مدنية وإنسانية، مضيفة أن الحركة تؤمن إيمانا قاطعا أن العلاقات بكافة أشكالها مع إيران هي واجب مقدس لا غنى عنه وهي تعمل على تكريس الصداقة والأخوة بين شعوب المنطقة.

 

وتابعت الحركة في بيانها أنها تعتبر أن موقف الحكومة الإيرانية إلى جانب النظام السوري ضد الهجمات الخارجية هو أحد الحقوق التي يجب احترامها للحكومة الإيرانية ما دامت الحكومة الإيرانية ملتزمة بالوقوف على مسافة واحدة من كافة القوى السياسية السورية المؤمنة بالحوار.

 

بل ووصل الحال ببعض اليساريين العرب إلى أن يعتبر وطنه في طهران، فينقل الكاتب الأردني أسامة شحادة المتخصص في شئون الحركات الإسلامية خلال حوار له مع موقع عربي 21 مقتطفات من مقال لكاتب أردني يساري هو (ناهض حتر) جاء تحت عنوان "وطني أردني في طهران" والذي قال فيه: "رأيي أن أفضل وسيلة لتحسين العلاقات بين البلدين تكمن في تطوير العلاقات الإيرانية مع الدولة الأردنية من جهة ومع الحركة الوطنية الأردنية العلمانية من جهة أخرى، وطالبتُ الجانبَ الإيراني بإنشاء جمعية إيرانية للصداقة مع الشعب الأردني تنظم البعثات العلمية والتبادل الثقافي والتجاري وتخدم الإعلاميين والمثقفين ورجال الأعمال"، ثم ينقل شحادة مقتطفات من مقال لكاتب يساري آخر هو( موفق محادين) والذي جاء تحت عنوان "كنا شيعة يا حزب الوسط" قال فيه: "إن شرق الأردن عموما والكرك خصوصا كانت من أهم مراكز التشيع لقرن كامل ولا تزال رواسب التشيع قوية جدا، حتى اليوم إن قبائل عاملة كانت تسكن الكرك وشرق الأردن وكانت قوام الجيش الفاطمي رفضت ضغوط صلاح الدين الأيوبي (الكردي) عليها للتسنن بعد تصفيته للدولة الفاطمية، وقد فضلت هذه القبائل الهجرة إلى لبنان (الجنوب وبعلبك والهرمل) حيث عرف جبل عامل هناك نسبة لها وأعطت أسماء البلدان التي كانت تقيم فيها في الأردن آنذاك لأماكن سكنها الجديد ومن ذلك: الكرك والطفيلة ومن بلدة (الكرك الجديدة) في لبنان خرج أهم علامة شيعي وهو الشيخ علي الكركي الذي تنسب له ولاية الفقيه قبل الخميني بقرون".

 

كما أشار شحادة إلى ما صدر عن الصحفي اليساري جهاد المحيسن الذي زار إيران مؤخرا وأكد تشيعه حيث طالب بـ "إقامة جيب لمقاومة النظام في جنوب المملكة".

 

وهنا ومن خلال قراءة هذه المقتطفات يلاحظ أن الموقف ليس سياسيا فحسب، فتلك الدعوة التي وجهها الكاتب حتّر دعوة صريحة للتطبيع الثقافي والعلمي مع إيران رغم أن الجميع يدرك أن طهران تستغل مثل هذه الرحلات العلمية والثقافية لنشر التشيع وإحداث اختراق مذهبي فيما خصص الكاتب محادين مقاله للتأصيل التاريخي لشيعية المنطقة وهو حديث لا يهدف إلا للترويج أيضا للتشيع الذي يبدو أنه مرحلة تجاوزها الصحفي المحيسن الذي أعلن تشيعه فعليا.

 

على الجهة الأخرى فإن إيران لم تتردد في أن تكون بالنسبة للكثير من التنظيمات اليسارية خير سند ومعين، حيث كشفت بعض المصادر الإعلامية عن إنفاق مالي لطهران على الأحزاب اليسارية يغطي حجمها الصغير، ففي اليمن مثلا تتقاضى جبهة إنقاذ الثورة التي يرأسها البرلماني أحمد سيف حاشد نحو ثلاثين ألف دولار، بينما تتقاضى أحزاب أخرى صغيرة ما يقدر بعشرة آلاف دولار، وجلها منضوية تحت لواء تكتل اللواء المشترك كالحزب الاشتراكي اليمني الذي يتحصل على مبلغ 50 ألف دولار شهريا، فيما حصل البعث على عشرة آلاف دولار، وحزب الحق على 20 ألف دولار، والحزب الوحدوي الناصري على 77 ألف دولار.

 

ويتكرر نفس الأمر مع عدد من الأحزاب اليسارية في بلدان عربية أخرى منها فلسطين، حيث اتهم القيادي في حركة فتح جمال نزال الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين بتلقي 300 ألف دولار من طهران عام 2012، فيما تردد أن الأحزاب المغربية الشيوعية تعقد الاجتماعات واللقاءات الخاصة بدعم إيران سياسيا مقابل الدعم المالي في حين يبلغ الدعم الإيراني المقدم لهذه الأحزاب اليسارية إلى ما بين 50 إلى 300 ألف دولار سنويا.

 

كما اتخذ هذا الدعم شكلا غير مباشر أيضا، ففي لبنان نجد أن حزب الله اللبناني الذي هو أحد أذرع الدولة الإيرانية في المنطقة العربية يرشح أحد قيادات الحزب الشيوعي اللبناني وهو سعد الله مزرعاني الشيوعي المعروف منذ ستينيات القرن الماضي وذلك للمقعد الشيعي في منطقة مرجعيون - حاصبيا للانتخابات النيابية منذ عام 1992، غير أنه حصل على نحو 37 ألف صوت في الجنوب كله في دورة العام 2000 كما وضعه الحزب على قائمته للانتخابات في 2009.

 

علاقات غير مشروعة

 

يرتبط موقف الشيوعيين العرب من إيران بالدرجة الأولى من موقف موسكو من طهران، بما يتوافق مع تلك النكتة القديمة التي تقول: "إذا عطس الأمين العام للحزب الشيوعي السوفييتي فإن كل العواصم الاشتراكية تُصاب بالزكام"، وهو ما يعكس مدى تبعية الشيوعيين العرب لموسكو، ومن ثم فإن مواقف الشيوعيين لا تتسق مطلقا مع الشعارات اليسارية في حين أن الشيوعية على مستوى الأيدلوجية والمواقف لا تتسق أيضا مع الدولة الإيرانية وذلك من عدة جوانب منها:

 

1-الدولة الإيرانية تعد واحدة من نماذج الدول الدينية الثيوقراطية حيث تخضع لحكم ما يسمى بالملالي وهو ما يتعارض مع التصور العلماني للدولة المدنية الحديثة.

 

2-الدولة الإيرانية الخمينية نموذج فج للإمبريالية التي تتدثر ثوب الدين فقد أخضعت وبطرق غير مشروعة أكثر من نصف العراق لهيمنتها وأبقت على احتلال الجزر الإماراتية وفرضت سيطرتها الكاملة على النظام السوري الذي يمارس أشد الانتهاكات بحق شعبه ودعمت المتمردين الحوثيين الذين يريدون الإطاحة بالشرعية وغير ذلك من الممارسات التي تكشف عن وجه قبيح لا يختلف عن الوجه الصهيوني الاستيطاني أو حتى الأمريكي الذي يدعي الشيوعيون مناهضته ومقاومته.

 

3-الدولة الإيرانية دولة رجعية لا تمارس الديمقراطية على الوجه الذي يفترض أن يكون بل ومعروف عنها تشددها في مصادرة الحريات والتضييق على أنشطة المجتمع المدني بل إنها تحتل مركزا متقدما في تنفيذ أحكام الإعدام حيث تشير بعض الإحصائيات إلى أنها تعدم سنويا نحو 350 من العرب السنة أو الأكراد وحتى الإيرانيين.

 

4-يتسم موقف الشيوعيين من السياسة الإيرانية تجاه العراق بازدواجية غريبة ففي الوقت الذي عارض فيه الشيوعيون الغزو الأمريكي للعراق عام 2003 فإنهم لم يعارضوا التدخل الإيراني السافر فيه والذي وصل إلى حد أن يتحكم السفير الإيراني في العراق في تشكيل الحكومة العراقية بل وتقوم القيادات العسكرية الإيرانية بالإشراف على تشكيلات الجيش العراقي.

 

5-في الوقت الذي أعلنت فيه الثورة الخمينية دفاعها عن المظلومين والمضطهدين والوقوف بجانب الشعوب لتحقيق التحرر من الهيمنة كانت علاقتها بالاتحاد السوفيتي على ما يرام رغم ممارساته في أفغانستان وفي الشيشان وهما دولتان ينتسب أغلب سكانهما إلى الإسلام.

 

6 - الكثيرون يتحدثون عن أن التوافق الإيراني مع الشيوعيين والعكس ينطلق من الموقف الإيراني من الكيان الصهيوني وهو حديث لا علاقة له بالواقع أو التاريخ، فالحكومة الشيوعية الأولى كانت الأسبق في الاعتراف الصريح عام 1917 بدولة يهودية في فلسطين وحتى من قبل إقامتهم لدولة "إسرائيل" في فلسطين، كما يعلم الجميع أن مؤسسي الأحزاب الشيوعية في المنطقة العربية من اليهود، فقد تأسس الحزب الشيوعي في فلسطين عام 1919 على يد جاك شابيليف وراوول كارنبورغ وفي مصر عام 1920 على يد جوزيف روزنثال وهنري كورييل وفي سوريا ولبنان عام 1925 م على يد برغر وأبو سيام وإلياهو تيبر وبرنمو ونخمان ليتفنسكي وفي العراق فعلى يد كل من صديق يهودا ويوسف زلوف وحسقيل صديق وموشي كوهين.

 

كذلك فقد كان الاتحاد السوفيتي – حامل لواء الشيوعية - أول وأهم داعم لقرار تقسيم فلسطين بل وبذل جهده لحمل الأمم المتحدة على الاعتراف بإسرائيل، في الوقت الذي تراجعت فيه أمريكا عن تقسيم فلسطين وطالبت بإلغائه ووضع فلسطين تحت الوصاية الدولية المؤقتة وذلك في مارس عام 1948.

 

وإذا كان ادعاء الشيوعيين أن دعمهم لإيران انطلق من الموقف الإيراني المعادي لإسرائيل، فإن هذا أيضا لم يعد له محل من الإعراب بعد أن تكشف للجميع الموقف الحقيقي للدولة الإيرانية بشأن القضية الفلسطينية والكيان الصهيوني، وكان آخر هذه المواقف الفاضحة ما كشفته وسائل إعلام إيرانية من مصادر مطلعة عن مطالبة الرئيس الإيراني حسن روحاني بإزالة عبارة "الموت لإسرائيل" عن الصواريخ البالستية الإيرانية، حيث بعث برسالة إلى المرشد الأعلى للثورة الإيرانية خامنئي وطلب منه في الرسالة موافقته على إزالة العبارة المكتوبة على الصواريخ الإيرانية في حين نقل التلفزيون الرسمي عن روحاني قوله إن بلاده لا تمثل تهديدا لأي دولة، وأبدى تأييده للتواصل مع بقية دول العالم.

 

وأخيرا وترتيبا على ما سبق فإنه يتأكد أن المواقف الإيرانية تتحرك وفق المصلحة الخاصة بها، إذ ليس لديها على الإطلاق مانع من أن تتوجه طهران للشيوعيين في العالم العربي وأن تستعين بهم للدفاع عن سياساتها، أو العمل على توفير ظهير شعبي حتى ولو كان نخبويا وهو ما رحب به اليساريون الذين يعانون هم أيضا ضعفا شديدا على المستوى التنظيمي ومستوى الدعم المالي ومن ثم فلا عزاء للشعارات أو الأيدلوجيات.

 
 
 


          Bookmark and Share      



إيران والشيوعيون .. زواج المتعة والمصالح
 
الاسم:  
نص التعليق: 
      
 



الأكثر مشاهدة


 
اشتراك
انسحاب